لا تهمة، لا محاكمة، لا إجابة، مجرد اختفاء..!

بقلم جافريرا قادر/ جنيف للعدالة
مقدمة
يختار بعض الأشخاص أن ينحازوا إلى صوت الضمير بدلًا من الصمت. فهم يتساءلون عمّا يتقبله الآخرون، ويتحدثون حين يكون الصمت أكثر أمانًا، وينظرون إلى حيث يُطلب من المجتمع أن يصرف نظره. وفي كثير من الأحيان، وتحت عناوين فضفاضة من قبيل الأمن القومي، أو مكافحة الإرهاب، أو الضرورة السياسية، يُنتزع أفراد من نطاق حماية القانون. لا تهمة. لا محاكمة. لا جواب. إنهم ببساطة يختفون.
غير أن الاختفاء القسري لا يطال شخصًا واحدًا فحسب. فهو يترك أمهات في انتظار دائم، وأطفالًا يكبرون وسط أسئلة بلا إجابات، وأزواجًا وزوجات عالقين بين الأمل والفقد. وقد تمر سنوات من دون قبر، أو حقيقة، أو حتى يقين بشأن ما إذا كان الشخص حيًا أم ميتًا؛ فلا يبقى سوى مقعد شاغر وسؤال واحد لا يختفي أبدًا: أين هم؟
ورفضًا لمحو هؤلاء الضحايا من الذاكرة والتاريخ، أنشأ المجتمع الدولي إطارًا للمساءلة. فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب القرار 47/133، إعلان عام 1992 المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ثم اعتمدت في عام 2006، بموجب القرار 61/177، الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي دخلت حيز النفاذ في عام 2010. وفي العام نفسه، خصص القرار 65/209 يوم 30 آب/أغسطس ليكون اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري.
وفي عام 2026، وبمناسبة مرور عشرين عامًا على اعتماد الاتفاقية، أطلقت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري حملةً لإحياء هذه الذكرى تحت شعار: "الضحايا أولًا. التحرك الآن"، واضعةً الضحايا وأسرهم في صميم هذه الجهود.
إن يوم 30 آب/أغسطس يتجاوز كونه مناسبة لإحياء الذكرى؛ فهو دعوة إلى العمل تربط بين دروس التاريخ وإخفاقات الحاضر. ويستحضر هذا اليوم مصير الآلاف الذين طالتهم سياسة أدولف هتلر بموجب مرسوم عام 1941 المعروف باسم Nacht und Nebel، أو "الليل والضباب"، كما يكرّم الأمهات اللواتي خرجن في مسيرات احتجاجية ضد المجالس العسكرية الحاكمة خلال ما عُرف بـ"الحروب القذرة" في أمريكا اللاتينية. فعندما يُسمح للدول بمحو الأشخاص، فإنها تقوّض سيادة القانون ذاتها.
ولكسر دائرة الإفلات من العقاب، يفرض يوم 30 آب/أغسطس على الحكومات تحويل الذاكرة إلى التزام عملي: التصديق على الاتفاقية، وتجريم الاختفاء القسري صراحةً في التشريعات الجنائية الوطنية، وضمان حق الأسر، عبر الأجيال، في معرفة الحقيقة.
ماذا يعني أن "يختفي" شخص؟
ليس كل شخص مفقود ضحيةً للاختفاء القسري.
فوفقًا للمادة 2 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فإن لهذا المصطلح تعريفًا قانونيًا دقيقًا، ولا يُستخدم بمعنى عام أو فضفاض. ويتطلب تحقق الاختفاء القسري توافر ثلاثة عناصر مترابطة: أولًا، حرمان شخص من حريته على يد موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات تعمل بإذنها أو دعمها أو موافقتها؛ وثانيًا، رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده؛ وثالثًا، وضع ذلك الشخص خارج نطاق حماية القانون.
وفي حالات التوقيف أو الاحتجاز المشروعة، يظل الفرد محتفظًا بصفته القانونية؛ فقد يكون سجينًا أو محتجزًا أو مشتبهًا به، لكنه يظل شخصًا معترفًا به أمام القانون. أما الاختفاء القسري، فيسلب الفرد هذا الوجود القانوني، ويدفع به إلى حالة يصبح فيها، من الناحية الرسمية، كأنه غير موجود، وبالتالي محرومًا من الحقوق والضمانات التي يوفرها القانون.
عشرون عامًا على الاتفاقية: ما الذي تغيّر؟
بعد مرور عشرين عامًا على اعتماد الاتفاقية، تطورت الاستجابة الدولية من مجرد الإدانة السياسية إلى إطار قانوني ملزم يهدف إلى الوقاية والمساءلة وجبر الضرر. وتضم الاتفاقية اليوم 78 دولة طرفًا، تلتزم كل منها قانونًا بمنع حالات الاختفاء القسري، وملاحقة المسؤولين عنها، وضمان حق الأسر في معرفة الحقيقة.
كما أنشأت الاتفاقية نظامًا دوليًا متخصصًا للرصد لم يكن قائمًا من قبل. فاللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري، التي بدأت عملها في عام 2011، تتولى مراجعة مدى امتثال الدول لالتزاماتها، ويمكنها تفعيل إجراء عاجل يطلب من السلطات المختصة الشروع فورًا في البحث عن الأشخاص المختفين. وحتى آذار/مارس 2026، كانت اللجنة قد سجلت أكثر من 2,000 إجراء عاجل، وأغلقت 546 حالة بعد تحديد مكان الأشخاص المفقودين، من بينهم 427 شخصًا عُثر عليهم أحياء. وهذه ليست مجرد إنجازات مؤسسية، بل هي حالات لأشخاص خرجوا من دائرة المجهول، وأسر حصلت أخيرًا على إجابات.
ويظل التحدي الرئيسي متمثلًا في الفجوة القائمة بين المعايير الدولية والواقع العملي. وقد أكدت اللجنة نفسها في عام 2026 أن هذه الجريمة لا تزال تُرتكب "في جميع المناطق" وفي سياقات جديدة ومتغيرة. وبالتالي، فإن المشكلة لا تكمن في غياب المعايير القانونية، بقدر ما تكمن في الإخفاق في معالجة العوامل التي تسمح باستمرار الاختفاء القسري، وفي مقدمتها السلطة غير المقيدة، والسرية، والإفلات من العقاب، وضعف الرقابة، وقصور التنسيق المؤسسي.
دراسة حالة: الإختفاء القسري في العراق
في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، اختفى قسرًا آلاف المدنيين العراقيين في سياق النزاع، وممارسات الاحتجاز، وعدم الاستقرار السياسي، والتشظي المتزايد في المشهد الأمني. وتعتبر لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري هذه المرحلة موجةً متميزة ضمن التاريخ المتواصل لحالات الاختفاء في العراق.
وتفاقمت الأزمة خلال الفترة الممتدة من عام 2014 إلى عام 2017. فقد اختطف تنظيم داعش أفرادًا من القوات العسكرية، وقيادات مجتمعية، وآلاف المدنيين، من بينهم 6,800 من الإيزيديين، وكان عدد كبير منهم من النساء والفتيات اللواتي تعرضن للاستعباد الجنسي وغيره من الانتهاكات الجسيمة. وفي الوقت ذاته، وُجهت اتهامات إلى قوات الأمن العراقية وفصائل من قوات الحشد الشعبي بالتورط في حالات اختفاء طالت بصورة رئيسية رجالًا وفتيانًا من السنّة خلال عمليات مكافحة الإرهاب، بما في ذلك عند نقاط التفتيش ومن داخل منازلهم.
وقد خلّفت هذه الموجات المتعاقبة في العراق واحدة من أكبر أزمات الأشخاص المفقودين وغير معروفي المصير التي لا تزال دون حل على مستوى العالم. وتشير التقديرات التي استندت إليها لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري إلى أن عدد المختفين والمفقودين يتراوح بين "250 ألفًا ومليون شخص"، مع الإقرار بأن غياب بيانات موحدة وموثوقة يجعل تحديد رقم دقيق أمرًا متعذرًا.
وعليه، فإن المشكلة ليست تاريخية فحسب، بل هي أيضًا مؤسسية وتشريعية على نحو عميق. وفي مراجعتها لعام 2026، واصلت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري حث العراق على تجريم الاختفاء القسري باعتباره جريمة مستقلة في التشريع الوطني، وإنشاء سجلات شاملة لجميع الأشخاص المحرومين من حريتهم، واستحداث آلية مركزية للبحث عن المختفين، والتحقيق في الادعاءات المتعلقة بأماكن الاحتجاز السرية، واعتماد تدابير فعالة لمعالجة استمرار حالات الاختفاء والتصدي لظاهرة الإفلات من العقاب المتجذرة.
غير أن العراق ليس حالة معزولة. فالنمط ذاته، القائم على السرية والإنكار والخوف وترك الأسر في بحث متواصل عن إجابات، يتكرر في مناطق وأنظمة سياسية مختلفة، ما يكشف عن أن الاختفاء القسري يمثل أزمة عابرة للحدود.
الخريطة العالمية للصمت: أزمة بلا حدود
الاختفاء القسري ليس من مخلفات الأنظمة الاستبدادية في الماضي، بل لا يزال يظهر في سياقات النزاعات المسلحة، وعمليات مكافحة الإرهاب، والقمع السياسي، والهجرة، والصراعات على السيطرة الإقليمية أو السياسية. وتمتد جغرافيته على نحو مقلق عبر القارات والأنظمة السياسية، مخلفًا الإرث ذاته من عدم اليقين والحزن الممتد دون حسم.
في المكسيك، سجلت الأرقام الرسمية المقدمة إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري وجود 133,236 شخصًا مفقودًا أو مختفيًا حتى أيلول/سبتمبر 2025. كما يتجلى حجم الأزمة في اكتشاف أكثر من 4,500 مقبرة سرية، إلى جانب الإبلاغ، بحلول أوائل عام 2026، عن نحو 72,000 من الرفات البشرية التي لم تُحدد هويتها.
وفي كولومبيا، يمتد جرح مماثل عبر أجيال متعددة. فقد أفادت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري بأن 121,768 شخصًا تعرضوا للاختفاء القسري بين عامي 1985 و2016، فيما تشير تقديرات تأخذ في الاعتبار حالات عدم الإبلاغ إلى أن العدد الحقيقي قد يصل إلى نحو 210,000 شخص. كما سجلت وحدة البحث الكولومبية بصورة منفصلة 132,877 شخصًا في عداد المختفين على صلة بالنزاع المسلح حتى تموز/يوليو 2025، وهو ما يعكس حجم التحدي الهائل الذي لا يزال قائمًا أمام جهود كشف الحقيقة وتحقيق العدالة الانتقالية.
وفي مختلف أنحاء الشرق الأوسط، أفرزت عقود من النزاعات والقمع مساحة واسعة أخرى للاختفاء. ففي سوريا، أتاح سقوط حكومة الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إمكانات جديدة للكشف عن مصير الأشخاص الذين اختفوا خلال عقود من القمع والحرب. وبحلول تموز/يوليو 2026، أشارت الأرقام التي أبرزتها المؤسسة المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالمفقودين في سوريا إلى أن عدد المفقودين يراوح بين نحو 130,000 و300,000 شخص. وتمتد جهود البحث اليوم لتشمل سجلات الاحتجاز، ومواقع الدفن، والشهادات، والأدلة المتفرقة التي تراكمت على مدى سنوات من النزاع.
وفي باكستان، لا تزال الادعاءات المتعلقة بالاختفاء القسري موضع تدقيق دولي. ففي معلومات قدمتها باكستان إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، أفادت بأن لجنة التحقيق المعنية بحالات الاختفاء القسري نظرت في 10,014 حالة حتى عام 2023، ظل منها 2,265 ملفًا قيد النظر. كما واصلت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة إثارة المخاوف، ولا سيما بشأن حالات الاختفاء المزعومة في سياق عمليات مكافحة الإرهاب والأمن في بلوشستان.
ورغم اختلاف الظروف في هذه البلدان، فإن النتيجة واحدة في جوهرها: يختفي شخص، وتُحجب المعلومات، وتواصل الأسر البحث عن الحقيقة بعد وقت طويل من تحول اهتمام العالم إلى قضايا أخرى. ولا يمكن لأي دولة أن تواجه هذه الظاهرة بمفردها، إذ إن طبيعتها العابرة للحدود تفرض مسؤولية جماعية تقوم على تعاون الدول فيما بينها، والعمل إلى جانب الأسر والمجتمع المدني والآليات الدولية لتتبع مصير المفقودين.
وفي جميع الحالات الواردة في هذه الخريطة، يقع عبء البحث بصورة غير متناسبة على النساء. فالأمهات والزوجات والبنات هن من يتولين تقديم البلاغات، والتنقيب في السجلات والأرشيفات، والوقوف لسنوات أمام المكاتب الحكومية؛ وغالبًا ما يؤدي عدم حسم الوضع القانوني للزوج المفقود إلى عرقلة حصولهن على حقوق الميراث أو الملكية أو الحضانة. ومن ثم، فإن معالجة حالات الاختفاء لا تتعلق فقط بكشف الحقيقة، بل تشمل أيضًا استعادة المكانة القانونية والاقتصادية للأسر التي تُركت خلف المختفين.
موقف مركز جنيف الدولي للعدالة
يجدد مركز جنيف الدولي للعدالة (GICJ) التأكيد على أن الاختفاء القسري يشكل انتهاكًا جسيمًا ومستمرًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية عندما يُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين. ولا يمكن التذرع بالأمن القومي أو بسيادة الدولة لتبرير الاحتجاز السري أو إخفاء مصير أي شخص.
وبمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، يدعو مركز جنيف الدولي للعدالة جميع الدول إلى تحويل إحياء الذكرى إلى إجراءات عملية من خلال:
- التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري وتنفيذ أحكامها على نحو كامل وفعال؛
- تجريم الاختفاء القسري بوصفه جريمة مستقلة في التشريعات الوطنية؛
- وضع حد لجميع أشكال الاحتجاز السري؛
- حماية الأسر والمحامين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يواصلون البحث عن الأشخاص المختفين؛
- تقييد الممارسة التعسفية لسلطة الدولة من خلال رقابة قضائية فعالة، وإجراءات احتجاز شفافة، وآليات مساءلة حقيقية، مع ضمان إجراء تحقيقات سريعة ومستقلة وملاحقة المسؤولين بصورة فعالة؛
- إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر عرضة للخطر، ولا سيما الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة؛
- إشراك منظمات المجتمع المدني وممثلي الضحايا في عمليات البحث عن ضحايا الاختفاء القسري، وتيسير وصولهم وزياراتهم إلى جميع أماكن الاحتجاز.
ويعرب مركز جنيف الدولي للعدالة عن تضامنه الكامل مع الضحايا وأسرهم في جميع أنحاء العالم، ويدعو الدول إلى ضمان عدم وضع أي شخص خارج نطاق حماية القانون، وألا تُترك أي أسرة إلى أجل غير مسمى من دون إجابات. وفي هذا اليوم، 30 آب/أغسطس، وتحت شعار الحملة "الضحايا أولًا. التحرك الآن"، يدعو المركز القراء إلى متابعة أصوات الأسر التي لا تزال تبحث عن أحبائها والعمل على إيصالها وتضخيمها، لأن إحياء الذكرى من دون عمل لا يغيّر شيئًا.