في اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست – 27 كانون الثاني/يناي

المطالبة بوقف الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني

IDgenocideAIgeneratedpic 

إدغار كايزر /جنيف للعدالة  (GICJ)

"يمكن أن يُسلب الإنسان كل شيء ما عدا أمرًا واحدًا: آخر الحريات الإنسانية، وهي القدرة على اختيار الموقف الذي يتخذه في أي ظرف كان، واختيار طريقه الخاص". فيكتور فرانكل، أحد أبرز الناجين من الهولوكوست.

يوافق هذا اليوم الذكرى الحادية والثمانين لليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست، الذي أُقرّ بموجب اعتماد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم A/RES/60/7، إحياءً لمعاناة واحدة من أحلك فصول التاريخ الإنساني. فقد كان يوم 27 كانون الثاني/يناير 1945 هو اليوم الذي تم فيه تحرير أحد آخر معسكرات الاعتقال التابعة للهولوكوست، والتي كانت تحت قيادة الزعيم النازي أدولف هتلر.
وتتجلى فظاعة هذه الجريمة في إبادة ستة ملايين إنسان، من اليهود، الروما، الأشخاص ذوو الإعاقة، المعارضون السياسيون، ذوو البشرة الملوّنة، الأشخاص من أصول عرقية بولندية، وغيرهم من الشعوب السلافية، وكذلك المواطنون السوفييت، وأسرى الحرب، وأتباع شهود يهوه، وغيرهم. وما يزيد من بشاعة هذه الجرائم هو الطابع المنهجي للتطهير، ووحشية أساليب التعذيب، والنية الإبادية الواضحة الكامنة وراء هذه الأفعال.
ومنذ عام 2005، تحيي الأمم المتحدة هذا اليوم تكريمًا لجميع الضحايا والناجين من هذه الفاجعة الإنسانية. غير أن السؤال الجوهري اليوم هو: ما مدى راهنية هذا اليوم في عالمنا المعاصر؟ والسؤال الأكثر إلحاحًا بعد مرور ما يقرب من قرن هو: أي «موقف» اتخذناه، كمجتمع دولي، تجاه الدروس التي كان يفترض أن نتعلمها؟

IDgenocideUNcreation

توقيع ميثاق الأمم المتحدة – 26 حزيران/يونيو 1945

الآثار المباشرة للهولوكوست

أدرك المجتمع الدولي، وقد هزّه الدمار الهائل الذي خلّفه الهولوكوست، الحاجة الملحّة إلى آلية دولية قوية تحول دون تكرار مثل هذه الكارثة، وكان تتويج ذلك إنشاء منظمة الأمم المتحدة. وعلى خلاف عصبة الأمم، سعى المجتمع الدولي هذه المرة إلى بناء نظام عالمي راسخ للحفاظ على السلم والأمن داخل الدول وفيما بينها، يستند إلى مجموعة من المبادئ الواضحة والمحددة.
كما شكّل الهولوكوست دافعًا رئيسيًا لاعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ولإقرار العديد من العهود والاتفاقيات الدولية التي تلت ذلك، ولا سيما اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948)، ثم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، وأخيرًا الجهود الجارية لصياغة اتفاقية الجرائم ضد الإنسانية (2019).
ورغم وجود آليات متعددة لحماية الفئات الضعيفة، تعمل كل منها وفق ولايتها الخاصة، فإن الواقع الذي نشهده اليوم لا يعكس فعليًا الدروس التي يُفترض أننا قد تعلمناها.

الحروب المستمرة وإرث الهولوكوست

منذ نهاية الهولوكوست، يشهد العالم عددًا لا يُحصى من النزاعات، بما في ذلك الحروب الأهلية (التي تُصنّف قانونيًا على أنها نزاعات مسلحة غير دولية)، والنزاعات المسلحة الدولية. وقد أعلن برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات (UCDP) أن عدد النزاعات المسلحة في العالم سيبلغ مستوى غير مسبوق في عام 2024، حيث تم تسجيل 61 نزاعًا نشطًا يشارك فيه على الأقل طرف دولة واحدة، مقارنة بـ59 نزاعًا في العام السابق، وهو أعلى رقم منذ بدء توثيق الإحصاءات عام 1946.
ومنذ عام 1945، يُقدّر أن نحو 55 مليون مدني لقوا حتفهم في أكثر من 89 إبادة جماعية كبرى حول العالم. والمثير للقلق أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ارتكبت، في المتوسط، ما نسبته 51% من أصل 181 حالة إبادة جماعية وثّقها باحثون معاصرون.
أما ما يشهده قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيمثّل إبادة جماعية مستمرة، اختارت القوى العالمية إلى حدٍّ كبير الوقوف موقف المتفرج حيالها، فيما تواطأ بعضها الآخر بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن حيث المبدأ، يمكن تحميل هذه الجهات المسؤولية القانونية بموجب المادة 16 من مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، الذي اعتمدته لجنة القانون الدولي، والمتعلقة بـ«تقديم العون أو المساعدة في ارتكاب فعل غير مشروع دوليًا». كما يُعد التواطؤ في الإبادة الجماعية انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، وفقًا للمادة 3 (هـ) من اتفاقية الإبادة الجماعية.

التراجع الديمقراطي والاستخفاف بالقانون الدولي

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تصاعدًا في النزعات الاستبدادية، والأنظمة القمعية، وحالات التراجع الديمقراطي. فالهند، التي تُعد أكبر ديمقراطية في العالم، تشهد اليوم ذروة نظام شعبوي تتقلص فيه المساحة المدنية، ويُهمّش فيه صوت الأقليات، مع تصاعد خطاب تحريضي ذي طابع إبادي صادر عن السلطات الحاكمة.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، إحدى أكبر الديمقراطيات العالمية، فقد أرست سوابق خطيرة بانتهاكها الصارخ للمادة 2 (2) من ميثاق الأمم المتحدة، من خلال استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة هي فنزويلا، وتهديد سلامتها الإقليمية. كما انسحبت من عدد من هيئات الأمم المتحدة، وأوقفت تمويلها، الأمر الذي ألحق ضررًا بالغًا بالعمل الإنساني للأمم المتحدة.
ولا يمكن إبداء الاحترام الحقيقي لناجي الهولوكوست إلا من خلال احترام فعلي، نظريًا وعمليًا، للمؤسسات الدولية التي أُنشئت لمنع تكرار تلك المأساة. وقد لخّصت الأمم المتحدة هذا الواقع بقولها:

«بعد أكثر من ثمانين عامًا على الهولوكوست، نشهد يوميًا اعتداءات على مواطنينا العالميين».

Screenshot 29

أمل وسط اليأس

رغم هذا الواقع القاتم، يؤكد مركز جنيف الدولي للعدالة (GICJ)  أن النظام الدولي والضمير الإنساني لا يزالان قادرين على تحقيق السلام والعدالة، كما كان مأمولًا في أعقاب الهولوكوست. فمنذ اندلاع الأحداث المروعة في غزة، خرج عشرات الآلاف من الأشخاص في مختلف المدن الكبرى حول العالم إلى الشوارع، مطالبين قادتهم بكسر الصمت، وتحمل المسؤولية، وإدانة هذه اللحظة المظلمة من التاريخ. ويُعد ذلك مؤشرًا واضحًا على أن الأمل لم ينعدم بعد، وأن الوفاء الحقيقي بالتعهد الذي قُطع قبل 81 عامًا لا يزال ممكنًا.
وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق عدد من القادة المسؤولين عن هذه الفظائع، من بينهم بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت. كما تشكّل الفتوى الاستشارية لمحكمة العدل الدولية بشأن فلسطين، وجلسات الاستماع الجارية حول الإبادة الجماعية في ميانمار، والتقارير الأممية المتعددة المطالِبة بالمحاسبة، مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه. غير أن هذه الجهود لن تؤتي ثمارها ما لم يقف المجتمع الدولي موحدًا، ويطالب الدول بالوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية.

إحياء الذكرى من أجل الكرامة وحقوق الإنسان

يحمل موضوع الأمم المتحدة لهذا اليوم في عام 2026 عنوان: «إحياء ذكرى الهولوكوست من أجل الكرامة وحقوق الإنسان». وتنظم الأمم المتحدة هذا العام عددًا من الفعاليات بهذه المناسبة، من بينها معرض حول الحق في الحقيقة، وحلقة نقاش بشأن المسؤولية المستمرة لإحياء ذكرى الهولوكوست، وهي فعاليات تنسجم بوضوح مع الرسالة المطروحة هنا. ويعكس ذلك موقف مركز جنيف الدولي للعدالة الداعي إلى أن ينهض المجتمع الدولي، وأن يرفع صوته دفاعًا عن الحقيقة، وعن كرامة الإنسان وحقوقه في كل مكان. وقد عبّرت الأمم المتحدة عن ذلك بقولها:

"ننا، إذ نحيي ذكرى ضحايا الهولوكوست، نؤكد إنسانيتنا المشتركة، ونتعهد بالدفاع عن كرامة وحقوق الإنسان للجميع".

يقف مركز جنيف الدولي للعدالة متضامنًا مع ملايين ضحايا الهولوكوست، والناجين، وعائلاتهم من الأجيال اللاحقة الذين ما زالوا على قيد الحياة ويشهدون ما يجري اليوم. ويدعو المركز المجتمع الدولي إلى تكريم ضحايا الهولوكوست، لا من خلال الخطاب الرمزي فحسب، بل عبر إجراءات ملموسة تعزز المساءلة الدولية، والسلم، والأمن. وفي هذا اليوم الدولي، يدعو المركز الدول إلى إدماج الحماية الدولية لحقوق الإنسان من الإبادة الجماعية والجرائم الفظيعة في تشريعاتها الوطنية وممارساتها العملية، التزامًا بالقيم المؤسسة للأمم المتحدة، وفاءً لذكرى ضحايا الهولوكوست.

كما يدعو المجتمع الدولي للعمل بكل ما بوسعه لإيقاف الإبادة الجماعية ضدّ الشعب الفلسطيني ومحاسبة مرتكبيها.

اشترك في القائمة البريدية
الرجاء اضافة البريد الإلكتروني الخاص بكم في الحقل أدناه للحصول على النشرة الإخبارية الخاصة بمركز جنيف الدولي للعدالة