mass graves Iraq Arabic article

 

 

مركز جنيف الدولي للعدالة: السلطات العراقية ملزمة بكشف الحقائق بشأن المقابر الجماعية المكتشفة في منطقة عكاز/الصقلاوية بمحافظة الأنبار

 

يتابع مركز جنيف الدولي للعدالة بقلق بالغ ما يرد إليه من نداءات ومناشدات من قوى مجتمعية ومنظمات حقوقية وأهالي الضحايا، بشأن ما أُعلن عنه يوم السبت الموافق 16 أيار/مايو 2026 من فتح مقابر جماعية في منطقة عكاز بناحية الصقلاوية في محافظة الأنبار العراقية.

ويبدي المركز، أولًا، اعتراضه الشديد على ما رافق هذا الإعلان من تصريحاتٍ متعجلة وغير مسؤولة، نسبت هذه المقابر إلى حقبة زمنية محدّدة قبل المباشرة بالفحوصات الجنائية اللازمة، وقبل انتظار نتائج فحص الحمض النووي، ودون الاستماع إلى شهادات ذوي المغيبين وأهالي المنطقة إذ يسري الإعتقاد أن الضحايا همّ من أبنائها.

إن مركز جنيف الدولي للعدالة يؤكد أنه لا يجوز التعامل مع ملف المقابر الجماعية بمنطق التبرير السياسي أو فرض الروايات المُسبقة أو تشويه الحقائق. فكلّ رفات يُعثر عليها تعود إلى إنسان له اسم وأسرة وحقّ وذاكرة، وكل مقبرة جماعية هي مسرح جريمة محتمل يجب حمايته والتحقيق فيه وفق أعلى المعايير الجنائية والحقوقية.

إن الإعلان الفوري عن هوّية معينة للضحايا أو زمن دفنهم، في يوم اكتشاف المقابر و قبل المباشرة بالفحوصات المختبرية وتحليل الحمض النووي، يمثل تجاوزاً خطيراً على الحقيقة، واستخفافاً بآلام عوائل آلاف المغيبين والمفقودين، ومحاولة مرفوضة لفرض رواية مُسبقة على ملف يفترض أن يُدار بالأدلة وبأدق المعايير المهنية، لا بالتصريحات والإعلانات الصحفية المتسرّعة.

لقد شهدت محافظة الأنبار، ولا سيّما بعد عام 2014، انتهاكاتٍ جسيمة طالت آلاف المدنيين، شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، خصوصاً في المناطق التي تعرّضت لعمليات عسكرية وأمنية، شاركت فيها تشكيلاتٍ مسلحة وميليشياتٍ مرتبطة بالسلطة أو عاملة تحت غطائها. ولا تزال عوائل كثيرة تبحث عن أبنائها منذ سنوات، وبينهم رجال وفتيان وكبار سن، إختفوا بعد اعتقالهم أو اقتيادهم من مناطقهم، ولم تكشف السلطات حتى اليوم عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم أو دفنهم.

وفي مناطق الصقلاوية تحديداً، إختفى مئات الأشخاص على يد الميليشيات في مثل هذه الأيام من عام 2015. وقد وثّقت جهاتٍ رسمية عراقية، ومنظمات غير حكومية اختفاء ما لا يقل عن ألف مواطن بعد لجوئهم إلى معسكر تسيطر عليه الميليشيات على أطراف المدينة أثناء القتال ضدّ التنظيمات الإرهابية.

وعليه، فإن مركز جنيف الدولي للعدالة الذي شارك في عملية توثيقٍ دقيق لتلك الأحداث، يرفض رفضاً قاطعًا تحويل المقابر الجماعية المُكتشفة في الصقلاوية إلى مادة للدعاية السياسية، أو إلى وسيلة لطمس جرائم ما بعد عام 2003، ومحاولة نسبتها إلى سنوات ما قبل الاحتلال دون دليلٍ جنائي وفني مستقل.

كما يعبّر المركز عن قلقه البالغ من النمط المتكرّر في التعامل مع المقابر الجماعية المُكتشفة، إذ تسارع بعض الجهات الرسمية، ومنها ما يُعرف بمؤسسة الشهداء، إلى إطلاق توصيفات مُسبقة، والدفع باتجاه تغطياتٍ إعلامية محدّدة تُسهم في خلق سرديةٍ مغايرة للواقع، في حين يجري إقصاء أهالي الضحايا وممثلي المجتمع المدني من متابعة إجراءات الكشف والتوثيق والفحص.

ويذكّر مركز جنيف الدولي للعدالة السلطات العراقية بتوصيات هيئات الأمم المتحدة المعنية، وفي مقدمتها لجنة الأمم المتحدّة المعنية بالاختفاء القسري، التي شدّدت في ملاحظاتها وتوصياتها الخاصة بالعراق على ضرورة وضع استراتيجية شاملة للبحث والتحقيق في جميع حالات الاختفاء القسري، وتعزيز القدرات الوطنية في مجال الطبّ العدلي، وضمان وصول جميع الضحايا وعائلاتهم إلى إجراءات استخراج الرفات والتعرّف عليها. كما أكدّت الهيئات الأممية أهمية حماية الأدلة، وضمان سلامة سلسلة الحيازة، ومنع الفتح غير المصرح به للمقابر الجماعية أو العبث بها.

كما يؤكد المركز أن فتح المقابر الجماعية وإدارتها لا يجوز أن يخضعا للاجتهادات السياسية أو الإعلامية، بل يجب أن يتمّا وفق المعايير الدولية المُعتمدة في حماية مسارح الجرائم، وحفظ الأدلة، والتوثيق العلمي، واحترام كرامة الرفات، وضمان مشاركة العائلات وإبلاغها بصورة منتظمة وشفافة.

ويشدّد المركز كذلك على أنّ أي إخفاق في إدارة هذه المقابر وفق المعايير الدولية لا يهدّد فقط حق العائلات في معرفة الحقيقة، بل قد يؤدي إلى إتلاف أدلة جنائية لا يمكن تعويضها، ويقوّض فرص المحاسبة والإنصاف، ويفتح الباب أمام دفن الحقيقة مرة أخرى تحت غطاء الروايات الرسمية المتعجلة.

وبناءً على ذلك، يطالب مركز جنيف الدولي للعدالة بما يلي:

أولًاً :  وقف أي تصريحات رسمية أو إعلامية بشأن هوية الضحايا أو زمن دفنهم أو الجهة المسؤولة عن هذه المقابر، إلى حين صدور نتائج الفحوصات الجنائية والحمض النووي والتقارير الفنية المستقلة، وبمشاركة الجهات المعنيّة في محافظة الأنبار.

ثًانيا:  حماية مواقع المقابر فوراً باعتبارها مسارح جرائم، ومنع العبث بها أو نقل الرفات أو تغيير معالم الموقع إلا بحضور فرق مختصة ومستقلة.

ثالثاً:  إشراك ممثلين عن أهالي المفقودين والضحايا من المنطقة، ومنظمات المجتمع المدني، وخبراء مستقلين، ومراقبين دوليين في جميع مراحل الفتح والتوثيق ورفع الرفات والفحص.

رابعاً:  تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تضم خبراء في الطب العدلي والأدلة الجنائية وحقوق الإنسان، وبمشاركة أو إشراف دولي/أممي فعّال، لضمان الالتزام بالمعايير الدولية في فتح المقابر الجماعية وإدارتها، وحفظ الأدلة وسلسلة الحيازة، ومنع تسييس النتائج أو إخفاء الأدلة أو العبث بها.

خامساً:  إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمفقودين والمغيبين قسراً في الأنبار وبقية المحافظات، وأخذ عينات الحمض النووي من ذوي المفقودين والمغيبين، ومطابقتها مع الرفات المكتشفة بصورة شفافة ومنظمة.

سادساً:  إعلان نتائج الفحوصات للرأي العام ولعوائل الضحايا، بما يشمل تاريخ الوفاة التقريبي، وطريقة الوفاة، وهوية الضحايا متى ما أمكن ذلك، والجهات التي تشير إليها الأدلة لا التصريحات.

سابعاً:  محاسبة كلّ من يثبت تورّطه في الإخفاء القسري أو القتل أو دفن الضحايا في مقابر جماعية، أياً كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها، فلا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة والانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانية.

إن مركز جنيف الدولي للعدالة يؤكدّ دعمه الكامل لمطالب أهالي الضحايا، وفي مقدّمتها حقّهم الطبيعي والقانوني في معرفة مصير أبنائهم. ولا يجوز للدولة التي تدّعي تمثيل جميع العراقيين أن تعترف بضحايا وتتنكر لضحايا آخرين، أو أن تجعل العدالة انتقائية بحسب الانتماء السياسي أو الطائفي أو الجغرافي.

إن الحقيقة لا تُدفن مرتين: مرّة في المقابر الجماعية، ومرّة في بيانات رسمية متعجلة. ومن واجب السلطات العراقية، إن كانت جادّة في تحقيق العدالة، أن تكفّ عن مصادرة الحقيقة، وأن تفتح هذا الملف أمام تحقيق مهني مستقل يضع كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم فوق كل اعتبار.

إن مركز جنيف الدولي للعدالة سيواصل عمله في كشف هذه الإنتهاكات ومتابعتها على الصعيد الدولي والوقوف بوجه المحاولات اليائسة لطمس الحقائق وتزوير الوقائع

 يمكنك معرفة المزيد عن هذا الموضوع من خلال قراءة هذا الرابط و هذا الرابط 

 

 

.

 

 

 

 

اشترك في القائمة البريدية
الرجاء اضافة البريد الإلكتروني الخاص بكم في الحقل أدناه للحصول على النشرة الإخبارية الخاصة بمركز جنيف الدولي للعدالة