
بيان صحفي من مركز جنيف الدولي للعدالة:
لجنة الأمم المتحدة للاختفاء القسري تكشف عن إخفاقٍ خطير للسلطات العراقية في تنفيذ الالتزامات الواجبة
تابع مركز جنيف الدولي للعدالة باهتمام بالغ الملاحظات الختامية للجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري، الصادرة في جنيف بتأريخ 25 آذار 2026، عقب الحوار الذي جرى مع الوفد العراقي في 11 آذار/مارس 2026 لمراجعة المعلومات الإضافية المقدّمة منه.
ويؤكد المركز أن ما ورد في هذه الملاحظات، التي إعتمدتها اللجنة في 18 آذار/مارس 2026، لا يترك مجالاً للالتفاف على حقيقة قائمة منذ سنوات، وهي أن العراق ما يزال عاجزًا عن الوفاء بالتزاماته الأساسية بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وأن هذا العجز لم يعد ممكنًا تبريره بالذرائع الإدارية أو الإجرائية أو السياسية، بعد أن أعادت اللجنة التذكير بوضوح بأن تنفيذ التوصيات السابقة، بما فيها توصياتها الواردة في تقرير زيارتها إلى العراق في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، ما يزال محدوداً جداً، وأن معظم التشريعات النافذة وآليات تنفيذها وسلوك السلطات المختصة لا تزال غير متوافقة مع أحكام الاتفاقية.
ويرى مركز جنيف الدولي للعدالة أن اللجنة الأممية قد وضعت، مرّة أخرى، يدها على جوهر الأزمة، حين أكدّّّت أن حالات الاختفاء القسري ما تزال مستمرّة في العراق، وأن الإفلات من العقاب مع إستمرار معاناة الضحايا ما يزالان قائمين، بالتوازي مع تزايد أعمال الترهيب والانتقام ضدّ الضحايا وأسرهم والمدافعين عن حقوق الإنسان وسائر المنخرطين في مساعي البحث والمساءلة. وهذه الخلاصات لا تمثل مجرد ملاحظات تقنية، بل تشكل توصيفاً أممياً مباشراً لفشل مستمر للسلطات العراقية في منع هذه الجريمة، والتحقيق فيها، وكشف مصير الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عنها.
ويشدّد المركز على أن استمرار هذا الإخفاق الخطير بعد سنوات من التوصيات الدولية والمتابعة يؤكد غياب أيّ إرادة حكومية للعمل الجادّ على ملف الاختفاء القسري، سواء على مستوى التشريع أو المؤسسات أو الممارسة. فحتى الآن، ما تزال جريمة الاختفاء القسري غير مجرّمة في العراق بوصفها جريمة مستقلة بذاتها على النحو الذي تفرضه الاتفاقية، وما يزال مشروع القانون المتعلق بها معلقاً، فيما تستمرّ النصوص القانونية المتفرقة في إنتاج فجوات قانونية خطيرة، وتغذية الخلط بين الاختفاء القسري وغيره من الجرائم، وتقويض فرص العدالة والمساءلة.
كما يلفت المركز الإنتباه إلى أن اللجنة لم تتوقف عند حدود الجانب التشريعي، بل سجّلت مواطن قصور خطيرة في إدارة الدولة لملف المختفين والمفقودين، من بينها غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة ودقيقة، واستمرار تعدّد السجلات والمرجعيات، وافتقار آليات البحث إلى الفعّالية والسرعة والاستقلالية، فضلاً عن إرهاق الأسر وإخضاعها لإجراءاتٍ معقدة ومجزأة تعيد إنتاج معاناتها بدلًا من إنصافها.
وفي السياق ذاته، يلاحظ مركز جنيف الدولي للعدالة أن اللجنة أشارت بوضوح إلى استمرار ورود مزاعم موثقة عن حالات اخفاءٍ قسري في سياقات العمليات الأمنية والاحتجاز والاحتجاجات، بما في ذلك حالات مرتبطة باحتجاجات تشرين/أكتوبر 2019، فضلاً عن حالات أحدث جرى تسجيلها ضمن الإجراءات العاجلة للجنة في عامي 2024 و2025. كما أبرزت اللجنة أن الإفلات من العقاب ما يزال هو السمة الغالبة، وهو ما يكشف أن الدولة لم تُنشئ حتى اللحظة منظومة فعالة وجادة للمحاسبة وكشف الحقيقة.
ويؤكّد المركز أن ما ورد في الملاحظات الختامية بشأن تأكيد وجود أماكن احتجاز سرية، والحاجة إلى تحقيق عاجل ومستقل ومحايد فيها، يمثل مؤشراً بالغ الخطورة على حجم الفجوة بين النفي الرسمي وبين المعطيات الحقيقية التي ما تزال تتكشف أمام الآليات الدولية. كما أن ما سجّلته اللجنة من ضعفٍ في إدارة ملف المقابر الجماعية، وعدم تخصيص ميزانية لتحديد هويات الرفات المستخرجة، واستمرار أوجه القصور في حفظ الأدلة، كل ذلك يبرهن أن السلطات العراقية لم ترتق بعد إلى مستوى الواجب القانوني والإنساني المفروض عليها تجاه الضحايا وأسرهم.

ويشير مركز جنيف الدولي للعدالة كذلك إلى أن اللجنة أكدّت استمرار التمييز في الوصول إلى الجبر والتعويض، وعلى ما تتعرّض له أسر المختفين، ولا سيّما النساء، من وصم اجتماعي وضغط اقتصادي وإجراءاتٍ قانونية مُجحفة، بما في ذلك ربط بعض الحقوق بإثبات الوفاة أو بتصنيفات وإجراءاتٍ أمنية تفضي إلى الإقصاء. إن مثل هذه الممارسات لا تمثل مجرد اختلالاتٍ جانبية، بل تعكس استمرار نهج مخطّط له لكي يحرم قطّاعات واسعة من الضحايا من حقوقهم الأساسية في الحقيقة والعدالة والجبر. ونؤكد أن هذا التمييز يُطبّق في مؤسسات مثل مؤسسة الشهداء، ولجنة تعويض المتضرّرين، وهما مؤسستين يداران بعقلية طائفية بهدف حرمان أبناء المكون السني من الحصول على حقوقهم المشروعة أسوة بغيرهم.
ويبين المركز، بصورة خاصة، ما أوردته اللجنة من أن العراق يُعد ثاني دولة طرف من حيث عدد الإجراءات العاجلة المسجلة لديها أمام اللجنة، بواقع 670 إجراءً عاجلًا حتى 18 آذار/مارس 2026، مع استمرار قصور الردود الرسمية عن تقديم معلومات ٍملموسة حول التدابير المتخذة للبحث عن المختفين وكشف مصائرهم والتحقيق في ظروف اختفائهم. وهذا الرقم بحدّ ذاته يكشف حجم الأزمة، ويؤكدّ أن الملف لا يزال مفتوحاً على نحو خطير، وأن الاستجابة الحكومية ما تزال دون الحدّ الأدنى المطلوب.
وانطلاقًا من ذلك، يؤكد مركز جنيف الدولي للعدالة أن ما صدر عن لجنة الاختفاء القسري يثبت بجلاء أن السلطات العراقية لم تنفذ ما طُلب منها سابقاً، وأن استمرار هذا النهج يمثل إخلالاً متواصلاً بالالتزامات الدولية المترتبة على العراق بموجب الاتفاقية. كما أن التباطؤ في التنفيذ، واستمرار إنكار بعض الوقائع أو التعامل معها بمعالجاتٍ جزئية، لا يؤدّي إلاّ إلى ترسيخ الإفلات من العقاب، وإطالة معاناة الضحايا، وتعميق مسؤولية الدولة على الصعيد الدولي.
وعليه، يطالب مركز جنيف الدولي للعدالة بالتنفيذ الفوري والكامل لما ورد في ملاحظات وتوصيات اللجنة، وفي مقدّمة ذلك:
- تجريم الاختفاء القسري كجريمةٍ مستقلة على نحو منسجم تماماً مع الاتفاقية؛
- ضمان المسؤولية الجنائية للرؤساء وعدم التذرّع بالأوامر العليا بالنسبة لكل مرتكبي جرائم الإخفاء؛
- إزالة العوائق القانونية التي تكرّس الإفلات من العقاب؛
- إنشاء آلية وطنية مستقلة وفعالة ومركزية للبحث عن المختفين تشترك فيها منظمات المجتمع المدني وعوائل المختفين؛
- توحيد قواعد البيانات والسجلات الخاصة بالمحرومين من الحرية والمفقودين والمختفين؛
- التحقيق المستقل والعاجل في جميع مزاعم الاحتجاز السري؛
- حماية الضحايا وأسرهم والمدافعين عن حقوق الإنسان من الترهيب والانتقام؛
- ضمان الجبر الكامل والمنصف لجميع الضحايا دون تمييز؛
- وصون الأدلة والرفات والمقابر الجماعية وفق المعايير الدولية.
وفي الوقت نفسه، يوجّه مركز جنيف الدولي للعدالة دعوة صريحة إلى الأمم المتحدة، والدول الأطراف في الاتفاقية، وآليات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية، والاتحاد الأوروبي، وسائر الأطراف الدولية المعنية إلى ممارسة ضغط جاد وفاعل وممنهج على الحكومة العراقية من أجل الانتقال من مرحلة التعهدات الشكلية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فالتجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن الاكتفاء بتسجيل الملاحظات أو تلقي الردود الدبلوماسية لم يعد كافيًا، وأن ثمة حاجة إلى متابعة دولية أكثر صرامة، وربط أوضح بين التعاون الدولي وبين مدى التزام العراق بتنفيذ ما يصدر عن الهيئات التعاهدية من توصيات ومطالب محددة.
كما يدعو المركز المجتمع الدولي إلى عدم التعامل مع هذا الملف بوصفه شأناً إجرائياً داخلياً، بل باعتباره قضية حقوقية وقانونية دولية مستمرة تمس حقوق آلاف الضحايا والأسر، وتستدعي تحركًا دوليًا أكثر وضوحاً في مجالات الرصد، والمتابعة، والمساءلة، والدعم الفني المشروط بالتقدم الحقيقي، بما يضمن كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ووضع حد نهائي لجريمة الاختفاء القسري في العراق.
ويؤكد مركز جنيف الدولي للعدالة أن الوفاء بالالتزامات الدولية لا يُقاس بما يقدَّم من ردود أو بيانات، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من تشريعات متوافقة، وتحقيقات مستقلة، ومحاسبة فعالة، وحماية للضحايا، وكشف لمصير المختفين، وضمانات حقيقية لعدم التكرار.
للمزيد من المعلومات عن الاختفاء القسري في العراق:
https://www.gicj.org/ar/2017-01-13-21-23-37/2017-01-13-21-50-12/3451-iraq-7-years-disappearances-ar