السودان: الحرب المنسيّة

السودان: الحرب المنسيّة
تقرير حول أخطر حالة طوارئ إنسانية في العالم و أكبر أزمة نزوح دولية
تقرير ليا فريج/ جنيف للعدالة
عرض كلارا شقير/ جنيف للعدالة
تشكل الحرب الدائرة في السودان منذ 15 نيسان/أبريل 2023 واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، وقد أدّت إلى كلفة بشرية ومادية هائلة على المدنيين، إذ يتعرّضون لأكثر أشكال العنف فتكًا، بما في ذلك القتل الجماعي، والتطهير العرقي، والعنف الجنسي، والمجاعة، والنزوح القسري الواسع. وعلى الرغم من حجم المعاناة الإنسانية، لا يزال النزاع غير معروف بشكل كافٍ في وسائل الإعلام الدولية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى محدودية التغطية الصحفية بسبب خطورة الميدان والصعوبات اللوجستية.
يضع هذا التقرير لمركز جنيف الدولي للعدالة الحرب الحالية ضمن سياقها التاريخي والسياسي، بدءًا من فترة الحكم الاستعماري البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر، الذي عزّز «سياسات فرق تسد» أدّت إلى تفاوتات عميقة بين الشمال والجنوب، وتركت إرثًا من التهميش والأزمات البنيوية. وبعد الاستقلال عام 1956، اندلعت حروب أهلية طويلة بين الشمال والجنوب، الأولى بين 1955 و1972، والثانية بين 1983 و2005، لاعتراض سكان الجنوب على فرض الشريعة وإلغاء الحكم الذاتي، مما قاد إلى استقلال جنوب السودان عام 2011.
في عام 1989 استولى المشير عمر البشير على السلطة بانقلاب عسكري، وأقام نظامًا ديكتاتوريًا دام ثلاثين عامًا، اتسم بالقمع والفساد وسياسات الإقصاء ضد المجموعات غير العربية في المناطق الطرفية، خصوصًا في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وفي 2003 اندلعت أزمة دارفور بعد احتجاجات جماعات مهمشة، وردّت الحكومة بنشر ميليشيات الجنجويد التي ارتكبت مجازر وإبادة وقتلًا واغتصابًا واسعًا وتهجيرًا قسريًا للسكان الأفارقة وغير العرب.
بعد احتجاجات شعبية واسعة في عام 2018 ضد البشير بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية، سقط النظام في 2019، وشُكّل مجلس سيادة انتقالي ضم المدنيين والعسكريين، على أن يقود الانتقال نحو حكم ديمقراطي مدني. لكن هذا التحوّل انسحب بسرعة بعد انقلاب عسكري في 2021 قاده عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي)، ما أوقف مسار الانتقال المدني ومهّد الصراع الراهن بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، اللتين كانتا حليفين سابقاً.
اندلعت الحرب في نيسان/أبريل 2023 عندما هاجمت قوات الدعم السريع العاصمة الخرطوم، وسرعان ما امتدّ النزاع إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق. وانقسمت البلاد جغرافيًا بين مناطق يسيطر عليها الجيش في الشمال الشرقي وأخرى تحت هيمنة قوات الدعم السريع في الجنوب الغربي والوسط، كما دخلت الجماعات المسلحة الأخرى في النزاع إما بدعم أحد الطرفين أو بالحفاظ على الحياد.
شهد النزاع ارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق، وجرائم ضد الإنسانية، وأعمالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية، كما يظهر في الأحداث التي رافقت سقوط الفاشر في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2025. فقد فرضت قوات الدعم السريع حصارًا دام 18 شهرًا على المدينة، أدّى إلى سقوط مئات الضحايا ونزوح مئات الآلاف من المدنيين، بينما بقي نحو 260 ألف شخص محاصرين دون وصول مساعدات إنسانية. وأكد التقرير أن عمليات القتل والاغتصاب والتعذيب والاحتجاز والتطهير العرقي التي رافقت سقوط الفاشر تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وأن حصار المدينة كان «متوقعًا وكان من الممكن منعه»، بحسب ما صرح به المفوض السامي لحقوق الإنسان.
وفي كردفان، تتسارع وتيرة الفظائع، فمنذ سيطرة قوات الدعم السريع على بلدة بارا في 25 تشرين الأول 2025، وثّق المفوض السامي «مئات الوفيات بين المدنيين بسبب القصف، والإعدامات الميدانية، والاعتقالات التعسفية، والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال قسريًا»، مما يعيد إلى الأذهان أحداث الفاشر المروّعة ويثير مخاوف جدّية من تكرارها على نطاق أوسع.
هذه الحرب أدّت إلى وقوع العدد الأكبر من الضحايا المدنيين في السنوات الأخيرة، إذ بلغ عدد القتلى أكثر من 150 ألف شخص، وأُجبر اثنا عشر مليونًا تقريبًا من السكان على الفرار من منازلهم، منهم ملايين نزحوا داخليًا، وآخرون لجأوا إلى دول مجاورة مثل مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، في ظل ظروف إنسانية قاسية تفتقر للغذاء والمأوى والرعاية الصحية، مع انتشار الأمراض والأوبئة في المخيمات.
من بين أبرز أبعاد الأزمة استخدامها للمجاعة كسلاح حرب، فقد أعلن برنامج الغذاء العالمي أن أكثر من 24 مليون شخص يواجهون انعدام أمن غذائي حاد، وأن التجويع يتم بشكل منهجي عبر عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، واستهداف سبل العيش وتدمير الإمدادات الغذائية، ما يعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
كما شهد النزاع عنفًا جنسيًا واسعًا ومنهجيًا ضد النساء والفتيات، بل وتشمل الاعتداءات الأطفال الرضع، ومنظمات الأمم المتحدة وصفت حالات الاغتصاب الجماعي والاعتداءات الجنسية بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتشمل الانتهاكات اختطافًا، واستعبادًا جنسيًا، وزواجًا قسريًا، وحملًا قسريًا، مما يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة وطويلة الأمد على الناجيات ومجتمعاتهن.
وانهار النظام الصحي تقريبًا في مناطق النزاع مع توقف 70–80% من المرافق الصحية، مما حال دون علاج آلاف الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، وتسبّب في انتشار الأمراض الوبائية. كما تعطلت المؤسسات التعليمية، وحرِم أكثر من 17 مليون طفل من التعليم، في حين استُهدفت المدارس نفسها في بعض الأحيان كأهداف للعنف.
أمّا الجانب الدولي والإقليمي، فقد ساهم تدخل الدول الخارجية بشكل مباشر في إطالة أمد النزاع وتشديده. فكل طرف من طرفي الحرب يتلقى دعمًا من دول إقليمية ودولية: قوات الدعم السريع تحصل على دعم سياسي وعسكري واقتصادي من الإمارات وإثيوبيا، بينما تحصل القوات المسلحة السودانية على دعم من إيران وتركيا والسعودية ومصر، كما تورطت روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة في تدفقات أسلحة عبر شبكات معقدة. وترتبط هذه التحالفات غالبًا بمصالح دولية في الموارد الطبيعية السودانية، خاصة الذهب والإنتاج الزراعي والنفط.
رغم الإدانة الرسمية لهذه التدخلات، فإن تقارير مستقلة تؤكد تقديم الدعم العسكري والمالي للأطراف المتحاربة، مما يعزز الصراع بدلًا من حله. وفي الوقت نفسه، لا يزال التمويل الإنساني الدولي غير كافٍ، إذ لم يغطِ سوى 25% من خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 المقدّرة بـ4.2 مليار دولار، مما يعرّض ملايين الأشخاص للمجاعة والمرض والموت.
موقف مركز جنيف الدولي للعدالة (GICJ): يؤكد المركز أن الاستجابة الدولية الحالية غير كافية، وأن استمرار الصمت والتقاعس الدولي يسهم في استمرار الفظائع ويقوض مصداقية النظام الدولي القائم على القانون الدولي وحقوق الإنسان. يدعو المركز إلى:
- وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، مع ضمان حماية المدنيين وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
- دعم عملية سلام شاملة تشمل كل المكونات العرقية والدينية في السودان، وتمهيدًا لإقامة حكومة مدنية ديمقراطية.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود، وفتح ممرات آمنة للمدنيين الفارين من العنف، وحماية العاملين في المجال الإنساني.
- إدانة التدخلات الخارجية التي تزود أطراف النزاع بالأسلحة والدعم العسكري والسياسي، والعمل على احترام قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر السلاح.
- وقف استخدام العنف الجنسي كأداة حرب، والإدانة الصريحة للاغتصاب والتجارة بالبشر والاستعباد الزوجي والقسري.
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين تعسفيًا، وإنهاء حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي.
- تعزيز المساءلة الدولية، بما في ذلك توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (ICC) والتحقيقات المستقلة في جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وإصدار مذكرات توقيف بحق كبار المسؤولين عن الانتهاكات، بغض النظر عن رتبتهم أو انتمائهم.
- حماية المجتمع المدني والصحفيين الذين يوثّقون الانتهاكات ويكشفون الحقائق.
- دعم النازحين واللاجئين بضمان حقوقهم الأساسية وفقًا للقانون الدولي للاجئين، وحماية كرامتهم وأمنهم.
- الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، والعمل على منع تقسيمه.
يخلص المركز إلى أن الشعب السوداني يستحق السلام والعدالة والكرامة، وأن التحرك الدولي الآن ليس خيارًا، بل ضرورة عاجلة لحماية المدنيين وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الكارثة الإنسانية التي تهدّد مستقبل البلاد والمنطقة بأسرها
Read the full report in english by clicking on the image below:
.
