النضال المترابط من أجل حقوق الإنسان وحماية البيئة

النضال المترابط من أجل حقوق الإنسان وحماية البيئة في ممارسات الأعمال التجارية العالمية
بقلم: ميليسا فيرير/ جنيف للعدالة
ترجمة: كلارا شقير/ جنيف للعدالة
المقدمة
إنّ الأضرار الجسيمة التي تُخلّفها الصناعات الاستخراجية وغيرها من الممارسات التجارية المضرّة بالبيئة على الأنظمة البيئية وحقوق الإنسان موثّقة على نطاق واسع. وللأسف، ومن منظور تجاري بحت، فإنّ انتهاكات حقوق الإنسان — مثل استغلال العمالة أو تشغيل الأطفال في ظروف أقرب إلى العبودية — والتدهور البيئي — مثل تدمير التنوّع البيولوجي للنباتات الأصلية لصالح زراعة المحاصيل الأحادية — غالبًا ما يسيران جنبًا إلى جنب من حيث تحقيق الأرباح.
ويثير ذلك سؤالًا مهمًا: كيف يمكن تفكيك هذه الحلقة؟ فمع أنّه ليس جميع قادة الشركات غير مبالين بحقوق الإنسان، إلا أنّ العمل البشري يُنظَر إليه في كثير من الأحيان، بشكل أو بآخر، على أنّه عائق أمام تعظيم الأرباح، نظرًا للاحتياجات الأساسية للعمال كالراحة، والإجازات المرضية، والوقت الشخصي.
أهمية المدافعين عن حقوق الإنسان
يمكن تعريف المدافعين عن حقوق الإنسان بأنهم أفراد أو جماعات يسعون إلى تعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها في جميع أنحاء العالم. وقد اعترفت الأمم المتحدة مرارًا بالدور الأساسي الذي يؤديه المدافعون عن حقوق الإنسان في ضمان مساءلة الشركات وتعزيز الاستدامة.
يؤدي المدافعون عن حقوق الإنسان عملًا بالغ الصعوبة؛ إذ يشمل دورهم جمع الأدلة والتحقق من الوقائع للتأكد مما إذا كانت قد ارتُكبت انتهاكات، وضمان حصول الضحايا على الموارد اللازمة لدعمهم، وملاحقة الجناة أمام القضاء.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، ساهم المدافعون البيئيون في وقف 11% من المشاريع المدمّرة للبيئة، وبذلك دافعوا عن سبل عيش وحقوق الإنسان للأفراد المتضررين.[1]
ومع ذلك، وبسبب الطبيعة الحساسة لعملهم، يتعرّض هؤلاء المدافعون لتهديدات مستمرة[2]. فبعضهم يُحتجز بشكل غير قانوني أو حتى يتعرض للاعتداء بسبب وقوفه دفاعًا عن حقوق الإنسان. ويشير مركز الأعمال وحقوق الإنسان إلى أنه خلال العقد الماضي تعرّض أكثر من 6,400 مدافع للهجوم، وغالبًا بسبب كشفهم لانتهاكات حقوق الإنسان في قطاع الأعمال. وفي عام 2024 وحده، ارتبط 89% من هذه الهجمات بالمدافعين عن المناخ والأراضي والبيئة[3]. وقد تعرّض كريس أوالا، وهو مدافع عن حقوق الإنسان والبيئة، للضرب بسبب لجوئه إلى القضاء وتنديده بانتهاكات حقوق الإنسان نيابةً عن المتضررين من حكومة مقاطعة سيايا.
المدافعون من الشعوب الأصلية عن حقوق الإنسان
يُعدّ المدافعون من الشعوب الأصلية عن حقوق الإنسان فئة محورية في النضال من أجل حماية حقوق الإنسان والبيئة. وقد عُرفت الشعوب الأصلية في مختلف أنحاء العالم بامتلاكها معرفة عميقة بالطبيعة والنظم البيئية، وباحترامها الراسخ للبيئة. وبصفتهم مدافعين عن حقوق الإنسان، يوظّفون معارفهم المتوارثة عن الأجداد للدفاع عن أراضيهم. كما لعبت المجتمعات الأصلية دورًا حيويًا في تقديم أطر شاملة ومتكاملة للعناية بالبيئة.
في أستراليا، يُستفاد اليوم من المعارف التقليدية القديمة للسكان الأصليين في مكافحة حرائق الغابات[4]. وفي إفريقيا الوسطى، طبّقت المجتمعات الزراعية الأصلية أنظمة الزراعة الحرجية التقليدية، التي تسهم في الحد من تآكل التربة والتخفيف من آثار تغيّر المناخ.[5]
وتُعدّ الشعوب الأصلية من أكثر الفئات استهدافًا بالأضرار الناجمة عن الممارسات التجارية، نظرًا لوجود تداخل جغرافي كبير بين انتهاكات حقوق الإنسان والكوارث البيئية. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما يعيش أفراد هذه الشعوب بالقرب من مواقع التعدين والاستخراج، مما يعرّضهم لاستنشاق مواد كيميائية ضارة[6]، كما أنهم يعيشون في كثير من الأحيان في ظروف من الفقر، مما يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال وتلقي أجور متدنية.[7]
وتدرك المجتمعات الهشة كهذه الآثار المباشرة لهذه الانتهاكات إدراكًا أفضل، مما يجعل دورها ضروريًا وعملها حتميًا. وتشير الأبحاث إلى أن معظم الموارد الطبيعية في العالم تقع ضمن أراضي الشعوب الأصلية، وهو ما يعرّض هذه المجتمعات لمخاطر بيئية وانتهاكات محتملة لحقوق الإنسان[8]. وتواجه هذه المناطق ضغوطًا شديدة من الصناعات الاستخراجية، وإلقاء النفايات السامة، واستغلال الموارد، مما يهدد الشعوب الأصلية بشكل منهجي.[9][10]
وفي يوليو/تموز 2010، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالحق في المياه والصرف الصحي كحق من حقوق الإنسان[11]. وفي عام 2021، أعلن قرار لمجلس حقوق الإنسان أن البيئة النظيفة والصحية والمستدامة حق إنساني عالمي[12]، ويشمل ذلك الحق في الهواء النظيف، وهو حق تنتهكه الشركات باستمرار.
ورغم النوايا الحسنة التي انطلقت منها هذه القرارات، فإنها لم تُحدث تغييرًا ملموسًا يُذكر. ففي كندا، لا تزال هناك 31 حالة تحذير طويلة الأمد بشأن مياه الشرب في 29 محمية تابعة للأمم الأولى[13]. وفي أستراليا، تتعرّض المجتمعات الأصلية بدرجة أكبر لتلوث الهواء ولآثاره الصحية السلبية[14]. ولا تزال الشعوب الأصلية تتعرض باستمرار وبشكل غير متناسب للأضرار البيئية، وبالتالي لانتهاكات حقوق الإنسان.
وبناءً عليه، تظلّ الشعوب الأصلية جزءًا أساسيًا وثابتًا من جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان.

لا فيا كامبيسينا هي حركة دولية تضمّ الفلاحين وصغار المزارعين والشعوب الأصلية. وتركّز رسالتها على مبدأ السيادة الغذائية. وتدافع الحركة عن حقوق الإنسان، ولا سيما حقوق الفلاحين والشعوب الأصلية، بما في ذلك حقهم في البذور، والأراضي، وسبل العيش الكريمة.

تُعدّ «لاند باك» حركة تقودها الشعوب الأصلية، وقد ظهرت في القرن الحادي والعشرين في أستراليا وكندا، وتهدف إلى ضمان إعادة الأراضي المسلوبة إلى أصحابها الأصليين واستعادة سلطتهم عليها.
حقوق الشعوب الأصلية وانتهاكها
تاريخيًا، شكّل الاستيلاء على أراضي الشعوب الأصلية والذي يُعاد توصيفه اليوم غالبًا تحت مسمّى الاستحواذ على الأراضي أو استخراج الموارد استراتيجية محورية استخدمتها الإمبراطوريات الاستعمارية لفرض السيطرة على الشعوب الأصلية ومجتمعاتها وأراضيها والحفاظ عليها.
في القرن التاسع عشر، عمد الجيش الأمريكي إلى قتل آلاف من حيوان البيسون، الذي كان يشكّل المصدر الغذائي الأساسي لسكان السهول من الأمريكيين الأصليين، بهدف إجبارهم على مغادرة أراضيهم والانتقال إلى المحميات.¹
وقد أدّى هذا التغيّر الحاد والسريع في أعداد البيسون إلى كارثة بيئية؛ إذ انخفض العدد خلال عشرين عامًا من 8 ملايين إلى أقل من 500[15]. وقبل الاستيطان الأوروبي، كان يُقدَّر عددها بما بين 30 و60 مليونًا[17][16]. فالأنظمة البيئية شديدة الهشاشة وتعمل بطرق معقّدة ومترابطة للغاية، حيث يمكن لأي تغيير بسيط أن يُخلّ بتوازن نظام تكوّن بدقة عبر آلاف السنين ويؤدي إلى انهياره. وبالفعل، أدى تراجع أعداد الجاموس إلى اقتراب دب السهول الرمادي الكبير وذئب السهول الكبرى من الانقراض شبه التام.
وتوفّر الأراضي حيّزًا وموارد حيوية للشركات لتنفيذ مشاريعها التنموية والصناعية. وخلال هذه العمليات، غالبًا ما يتم تجاهل حقوق الشعوب الأصلية وأصواتها. فعلى سبيل المثال، تُستخدم أراضي شعب السامي الأصلي في النرويج والسويد وفنلندا بشكل متزايد لمشاريع التعدين والحراجة ومزارع الرياح.[18]
وقد تم الاعتراف بمبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة كجزء من إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية. ويمنح هذا المبدأ الشعوب الأصلية الحق في منح أو حجب موافقتها على المشاريع التي تؤثر في أراضيها أو أقاليمها أو مواردها[19]. وبصفتها دولًا موقّعة على الأمم المتحدة، فإن السويد والنرويج وفنلندا تُخفق في احترام هذا الحق الجوهري للشعوب الأصلية.
وعلى الصعيد الوطني، غالبًا ما تعتمد الدول تشريعات تهدف إلى حماية حقوق الشعوب الأصلية، غير أن هذه الأطر تُطبَّق في كثير من الأحيان بصورة ضعيفة أو بشكل غير متسق. فعلى سبيل المثال، لدى كندا عدة قوانين ومعاهدات تعترف بحقوق الشعوب الأصلية وتؤكدها، مثل المادة 35 من قانون الدستور، ومعاهدات السلام والصداقة، والمعاهدات المرقّمة، ومعاهدات ويليامز لعام 1923. ورغم ذلك، لا تُحترم هذه الحقوق دائمًا في الواقع. فعلى سبيل المثال، خلال مشاريع تطوير مقترحة على أراضٍ محمية (الحزام الأخضر)، أخفقت مقاطعة أونتاريو في إجراء مشاورات واتصالات كافية مع المجتمعات الأصلية في المنطقة، مما يشكّل خرقًا لواجب “التشاور والتكيّف” المنصوص عليه في المادة 35[21][20]. كما أن معظم القطع التي أُزيلت من الحزام الأخضر كانت أراضي محمية بموجب معاهدات ويليامز لعام 1923، وكان من شأن تطويرها أن يقضي تمامًا على حقوق الاستغلال التقليدية مثل الصيد البري وصيد الأسماك. وقد خاضت شعوب أصلية أخرى، مثل مجتمع الأنيشينابي في غراسي ناروز، نضالًا لحماية حقوقها في الأراضي المكفولة بموجب المعاهدات.
وعلى الصعيد الدولي، وُضعت أطر قانونية مثل إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 169 (اتفاقية الشعوب الأصلية والقبلية لعام 1989) لضمان احترام حقوق الشعوب الأصلية عبر الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وتُعدّ المعاهدات الدولية أساسًا جوهريًا لنظام قانوني سليم، إذ تضمن ألا يقتصر الأمر على اتفاق المجتمع الدولي حول معنى المعاملة العادلة، بل يشمل كذلك تحديد ما هو مسموح، وما هو محظور، وما هي العواقب المترتبة على الانتهاكات. ومع ذلك، فإن عدم الامتثال للمعاهدات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان أمر شائع للأسف؛ فعلى المستويين الوطني والدولي، لا تُعترف بالحقوق والمعاهدات على النحو الواجب أو تُنفّذ بشكل ضعيف، مما يترك مجالًا واسعًا للانتهاكات.[22]
إن غياب الاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية لا يؤثر على الأفراد فحسب، بل ينعكس على المجتمع ككل، وبالتالي على البيئة أيضًا.
العبء
على الرغم من أنّ الشعوب الأصلية تؤدي دورًا حاسمًا في النضال من أجل حماية البيئة وحقوق الإنسان، فإنه لا ينبغي تحميلها وحدها مسؤولية التصدي للتحديات البيئية العالمية. فإسهاماتها تأتي بتكلفة باهظة. إذ تواجه المجتمعات الأصلية أعباءً بيئية غير متناسبة، تشمل التهجير، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتزايد الهشاشة أمام آثار تغيّر المناخ.
وبينما تُعدّ الشعوب الأصلية مدافعًا أساسيًا عن البيئة، فإنّ المجتمع الدولي مُطالب بتقديم دعمٍ فعليّ وملموس، والعمل على الحدّ من الضغوط البنيوية الممنهجة المفروضة على هذه المجتمعات.
الحلول
من أجل تقاسم العبء الذي يتحمّله المدافعون من الشعوب الأصلية عن حقوق الإنسان والتخفيف منه، يمكن لجهات متعددة مثل الهيئات الدولية، والباحثين، والمجتمعات المحلية، وصنّاع السياسات، والحكومات أن تؤدي دورًا محوريًا.
ويمكن لصنّاع السياسات والباحثين والحكومات العمل معًا على إعداد تشريعات تضمن حماية المدافعين من الشعوب الأصلية عن حقوق الإنسان، فضلًا عن الاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية وتنفيذها، والتصديق على هذه التشريعات وتطبيقها. ومن أجل وضع قائمة حلول ملائمة وفعّالة، استندتُ إلى مداخلات جلسة منتدى الأمم المتحدة المعني بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان لعام 2025 حول الدور الحاسم للمدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك آراء عدد من المتحدثين المشاركين:مونيكا ندوين، كريس أوالا، كارلوس إرنستو شوك، ريبيكا غيلفي، و ريمي فريدمان [23].
وكما أشارت السيدة ندوين وكثير من الأصوات قبلها، فإن فرض العناية الواجبة الإلزامية في مجال حقوق الإنسان على الجهات المموِّلة والشركات والسياسات التجارية مثل تطبيق آليات التظلّم على مستويات متعددة عبر سلسلة التوريد يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، كما من شأنه أن يخفّف عبء عملهم بشكل كبير من خلال ضمان وجود أنظمة قادرة على رصد الانتهاكات في مراحل مبكرة.
كما يمكن أن تسهم عمليات التدقيق الاجتماعي المفاجئة وعمليات تفتيش العمل في مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان في أماكن العمل والحدّ منها، وبالتالي تقليل الضغط على المدافعين عن حقوق الإنسان. ومن بين الاستجابات المبتكرة الأخرى لمنع انتهاكات الشركات لحقوق الإنسان آليات الرصد التي يقودها العمال، مثل اتفاق بنغلاديش بشأن السلامة من الحرائق وسلامة المباني.[24]
غير أنّ الأبحاث تُظهر أن نماذج العناية الواجبة الحالية تشبه «إطلاق النار دون ذخيرة»، أي أنها غير فعّالة في منع انتهاكات الشركات لحقوق الإنسان[25]. لذلك، من الضروري تصميم هذه النماذج بصرامة أكبر، إذ إن قوانين الإفصاح والعناية الواجبة الحالية تبقى غير فعّالة دون تعزيز الرقابة التنظيمية من قبل الدولة[26]. كما أن نجاح هذه العمليات يتطلب آليات قانونية ملزمة مقرونة برقابة قوية.
وأشارت ريبيكا غيلفي في الجلسة إلى أهمية إجراء تقييمات سنوية، مثل استبيانات العمال، لضمان الكشف السليم عن الانتهاكات.
ومن الحلول الإضافية لتخفيف هذا العبء إنشاء نقابات عمالية لكل عامل، ومعالجة العوائق الأساسية أمام الانضمام إلى النقابات مثل الثقافة المناهضة للنقابات من خلال بناء الثقة، والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة، ووضع تدابير أمان فعّالة، وغيرها.[27]
وكما أشار فريدمان، أحد كبار المستشارين في مجال الأعمال وحقوق الإنسان بوزارة الخارجية السويسرية وأحد المشاركين في الجلسة، فإن الحماية والاحترام عنصران أساسيان في مجال حماية حقوق الإنسان، غير أن هذه المبادئ لا تنجح إلا عندما تزدهر المساحات المدنية. ومن ثمّ، يجب أن تشمل العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان دعم هذه المساحات. كما ينبغي على الدول أن توفّر بيئة آمنة ومُمكِّنة للمدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك ضمان الاعتراف بحرية تكوين الجمعيات على نحو عملي وفعلي. فبناء مجتمعات آمنة يهيئ لمجتمع أكثر شفافية وخضوعًا للمساءلة، مما يخفّف في نهاية المطاف العبء عن المدافعين عن حقوق الإنسان.
ولتخفيف العبء الواقع على عاتق المدافعين من الشعوب الأصلية عن حقوق الإنسان، من المهم إضفاء طابع ملموس على عملهم، ويمكن تحقيق ذلك عبر وسيلتين: تغيير صورتهم في وسائل الإعلام، ومنحهم حماية قانونية خاصة وأكثر تحديدًا.
فكما أوضح شوك والكثير من المتحدثين الآخرين، كثيرًا ما يُجرَّم المدافعون عن حقوق الإنسان ويُصوَّرون على أنهم إرهابيون.
ومن خلال تغيير هذه الصورة إعلاميًا بصورة فاعلة، يمكن تعديل السردية العامة وضمان النظر إلى دورهم بوصفه دورًا إيجابيًا، مما يعزّز احترام قراراتهم وآرائهم وتقديرها، ويقود إلى تغيير دائم وإيجابي في مجال حماية حقوق الإنسان والبيئة. وتُظهر الأبحاث أن الإقناع عبر السرد يمكن أن يؤثر في السلوكيات ويدفع نحو تغيير اجتماعي إيجابي، مما يلهم العمل في قضايا حقوق الإنسان والبيئة.[29][28]
ولا يقتصر الأمر على البعد الاجتماعي، بل يمكن تحقيق ذلك قانونيًا أيضًا، من خلال منح حماية خاصة لأولئك الذين يضطلعون بمهام الدفاع عن حقوق الإنسان. فعلى الرغم من أن إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان (1998) يعترف بأهمية هؤلاء المدافعين ومشروعية دورهم على المستوى الدولي، فإن الإعلان يظل غير ملزم قانونًا، ولا يتعدى كونه بيانًا للمبادئ دون قوة قانونية ملزمة أو ضمانات حماية فعلية. لذلك، يجب الاعتراف بالمدافعين عن حقوق الإنسان قانونيًا، على المستويين الدولي والوطني، كفئة قانونية مستقلة بموجب تشريعات ملزمة، بما يعزّز حمايتهم ويصعّب على الشركات والجهات الأخرى تهديدهم أو مضايقتهم أو الاعتداء عليهم.
ورغم أن هذه الحلول ليست مثالية، فإن اعتماد نهج شامل ومتكامل لحماية حقوق الإنسان والبيئة يُعدّ السبيل الأمثل لتخفيف العبء الذي يتحمّله المدافعون من الشعوب الأصلية عن حقوق الإنسان. وتشير إحدى الدراسات إلى أن الجمع بين الاستراتيجيات المختلفة يرفع نسبة نجاح المدافعين من 11% إلى 27%، وهي زيادة ملحوظة.[1]
وفي جميع الأحوال، من الضروري معالجة الأسباب الجذرية لانتهاكات حقوق الإنسان والتدهور البيئي من أجل حماية المدافعين من الشعوب الأصلية عن حقوق الإنسان. فالنظام الرأسمالي وثقافة الاستهلاك يدفعان نحو إنتاج لا محدود ومستمر للسلع والأرباح، مما يؤدي إلى خفض الأجور، وتجاهل معايير السلامة وبيئات العمل اللائقة، سعياً لتحقيق أرباح أعلى.
الفساد
من أبرز المشكلات التي يواجهها المدافعون عن حقوق الإنسان عند محاولتهم التنديد بالانتهاكات: تفشّي الفساد، والإفلات من العقاب، والترهيب.
وقد أدان كريس أوالا، المدير التنفيذي لمجموعة مبادرة العمل المجتمعي في كينيا وأحد المشاركين في الجلسة المذكورة، تواطؤ دول في شرق إفريقيا في ممارسات قمعية منسّقة، ولا سيما حالات الاختطاف والإخفاء القسري، بما في ذلك ضد المدافعين عن حقوق الإنسان. وفي سياق متصل، حذّر من أن تمويل الحملات الانتخابية يأتي من الصناعات الاستخراجية، التي تتردّد في الالتزام بحقوق الإنسان، إذ تعتبر استخراج الموارد المختلفة «شرًا لا بدّ منه» من أجل “التنمية”². كما انتقد غياب قنوات فعّالة للتبليغ عن انتهاكات حقوق الإنسان، في ظل استخدام الشرطة والمحاكم والشركات ضد الضحايا أو المدافعين. ونتيجة لذلك، لا يعاني المدافعون عن حقوق الإنسان من التمييز فحسب، بل يواجهون أيضًا آثارًا على صحتهم النفسية.
ويشير تمويل الانتخابات إلى مشكلة بنيوية أوسع تتمثل في الترابط الوثيق بين الشركات والحكومات. ولكي تتمكن الحكومات، وبخاصة الموظفون العموميون، من إدارة الشأن العام بفعالية وخدمة المصلحة العامة دون تحيّز، لا بدّ من وجود فصل واضح بين الدولة والشركات الخاصة.
فعلى سبيل المثال، عندما يعتمد تمويل حكومة ما جزئيًا على شركة خاصة، فإنها قد تميل إلى تجاهل قضايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها تلك الشركة نفسها، مما يؤدي إلى فساد حكومي يفقد معه المواطنون الثقة بمؤسساتهم. وفي الولايات المتحدة، يعمل متعاقدون من القطاع الخاص على إخفاء ممارساتهم، وقد جعلت بعض أحكام المحكمة العليا من الصعب كشف الانتهاكات عندما تلجأ الحكومات إلى متعاقدين خاصين.[30]
وبصورة أكثر شيوعًا، يمتلك بعض أعضاء الحكومة خاصة في السياق الأمريكي أسهمًا في شركات معيّنة، مما قد يدفعهم إلى اتخاذ قرارات تصبّ في مصلحة تلك الشركات، أحيانًا على حساب المواطنين. وقد كشف تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز أنه بين عامي 2019 و2021، قام 18% من أعضاء الكونغرس بتداول أسهم في قطاعات مرتبطة بأعمال لجانهم البرلمانية[31]. وهذا يثير مخاوف مشروعة بشأن تآكل الثقة العامة والإضرار بها.
ويمتد هذا الترابط إلى المستوى الدولي أيضًا. فعلى سبيل المثال، يُشار إلى مشروع «منتجعات عالمية المستوى» في غزة، في ظل تورّط دونالد ترامب في طرح خطة سلام من عشرين نقطة، إضافة إلى دوره كرئيس لمجلس إدارة إحدى الهيئات المعنية بالسلام. ويعني موقعه أنه، إلى جانب مشاريعه المالية الكبرى في غزة، يمارس «سيطرة شبه كاملة على تشكيل مجلس الإدارة وهياكل صنع القرار فيه، وهي سيطرة قد تستمر حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية »[32].
فما الذي يمكن فعله حيال ذلك؟ يُعدّ التحوّل إلى الحكومة الإلكترونية وتعزيز الشفافية التكنولوجية من بين أكثر الوسائل الواعدة لمكافحة الفساد الحكومي، وقد قدّمت دراسات عدة أدلة قوية تدعم هذا النهج[34][33]. فالحكومة الإلكترونية أي استخدام التقنيات مثل الإنترنت لتقديم الخدمات الإدارية بطريقة أكثر كفاءة وشفافية يمكن أن تسهم بشكل كبير في الحدّ من الفساد، إذ تعزّز مبادراتها في الاقتصادات الناشئة الشفافية والمساءلة، مما ينعكس مباشرة على تقليص الفساد. ويعود ذلك إلى أنها تتيح زيادة قدرة الجمهور على الرقابة، وتوفّر عمليات تقديم إلكترونية شفافة، وتمكّن من تتبّع المعاملات الحكومية في الوقت الفعلي. غير أن العائق الرئيسي أمام هذه المبادرات يتمثل في ضرورة توافر الكهرباء والإنترنت بشكل فعّال لدى المجتمع الأوسع.
إن القضاء على الفساد الحكومي والفساد في قطاع الشركات يُعدّ خطوة أساسية لضمان تمكّن الأفراد من الإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان بأمان، وبالتالي تخفيف العبء الذي يتحمّله المدافعون عن حقوق الإنسان.
الخاتمة
ختامًا، إن حماية البيئة وصون حقوق الإنسان يرتبطان ارتباطًا لا ينفصم في إطار الأنشطة التجارية العالمية. فالمدافعون من الشعوب الأصلية عن حقوق الإنسان، رغم كونهم في طليعة المواجهة للتصدي للتدمير البيئي وانتهاكات حقوق الإنسان، لا يزالون يتحمّلون أعباءً غير متناسبة من الاستغلال والتهجير والعنف. وتتطلب معالجة هذه الإشكاليات اعتماد مجموعة من الحلول، من بينها إضفاء طابع ملموس على عمل المدافعين عن حقوق الإنسان، وتطبيق العناية الواجبة الإلزامية في مجال حقوق الإنسان، والاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية، ومكافحة الفساد الحكومي، وغير ذلك من التدابير.
وفي نهاية المطاف، لا بدّ من اتباع نهج شامل لمعالجة الأسباب الجذرية لهذه الانتهاكات. فمن خلال تعزيز مساحات مدنية آمنة وشفافة وخاضعة للمساءلة، يمكن للمجتمع الدولي وحده أن يضمن حماية حقوق الإنسان والبيئة على نحو فعلي ومستدام.
موقف مركز جنيف الدولي للعدالة في جنيف
يدعو مركز جنيف الدولي للعدالة في جنيف بقوة إلى حماية المدافعين عن حقوق الإنسان والشعوب الأصلية الذين يقفون في الخطوط الأمامية للدفاع عن البيئة وحقوق الإنسان في مواجهة الممارسات التجارية الاستغلالية. ونؤكد أن المدافعين عن حقوق الإنسان يؤدون دورًا لا غنى عنه في كشف الانتهاكات التي ترتكبها الشركات، والدفاع عن المجتمعات المتضررة، وتعزيز التنمية المستدامة. كما نحثّ المجتمع الدولي وقطاع الأعمال على حد سواء على دعم هذا العمل وحمايته، بدلًا من تجريمه أو قمعه.
ويعرب المركز الدولي للعدالة في جنيف عن بالغ قلقه إزاء الاستهداف المنهجي وأعمال الترهيب والعنف التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان، ولا سيما المدافعون من الشعوب الأصلية الذين يحمون أراضي أجدادهم من الصناعات الاستخراجية والمشاريع المدمّرة للبيئة. إن الهجمات المستمرة ضد هؤلاء المدافعين، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي، والمضايقات، وحتى القتل، لا تمثل انتهاكات لحقوق الأفراد فحسب، بل تشكّل أيضًا اعتداءً على الجهود الجماعية الرامية إلى تحقيق العدالة البيئية والتنمية المستدامة.
¹ لقد استُخدم التجويع عبر التاريخ كسلاح للإبادة الجماعية والاستعمار، ولا تزال هذه الممارسة مستمرة حتى اليوم. فعلى سبيل المثال، قام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بحظر جميع أشكال المساعدات إلى غزة في مارس/آذار 2024. وفي يوليو/تموز 2025 وحده، أفادت منظمة الصحة العالمية بتسجيل 63 حالة وفاة مرتبطة بسوء التغذية في غزة.
² يُعدّ تمويل الحملات الانتخابية في شرق إفريقيا أمرًا شائعًا. ووفقًا لبعض المصادر، يبلغ متوسط تكلفة الفوز بمقعد في الجمعية الوطنية نحو 182,000 دولار أمريكي[35].
المراجع:
[1] https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0959378020301424#ab010
[2] https://www.ohchr.org/en/special-procedures/wg-business/human-rights-defenders-business-and-human-rights
[3] https://www.business-humanrights.org/en/from-us/press-releases/landmark-research-more-than-6400-attacks-on-human-rights-defenders-protecting-communities-and-environments-from-corporate-abuses-in-past-decade/#:~:text=Climate%2C%20land%2C%20and%20environmental%20defenders,most%20frequently%20associated%20with%20attacks
[4] https://www.teaonews.co.nz/2024/03/15/aboriginal-australians-teach-iwi-how-to-battle-wildfires/
[5] https://link.springer.com/article/10.1007/s44415-025-00050-z
[6] https://doi.org/10.5040/9798400669729
[7] https://doi.org/10.1163/187197308X356930
[8]https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3849099
[9] https://doi.org/10.4324/9781315094427-1
[10] https://doi.org/10.1097/01.ee9.0000609632.34852.db
[11] https://www.un.org/en/global-issues/water#:~:text=The%20right%20to%20water&text=The%20Assembly%20recognized%20the%20right,per%20cent%20of%20household%20income
[12] https://news.un.org/en/story/2021/10/1102582
[13] https://canadians.org/fn-water/
[14] https://healthbulletin.org.au/articles/environmental-health-challenges-in-remote-aboriginal-australian-communities-clean-air-clean-water-and-safe-housing/#:~:text=PM%20specifically%20from%20mineral%20dusts,international%20studies%20of%20urban%20particulates
[15] https://www.nathab.com/blog/american-bison-their-ecological-economic-and-emotional-impacts
[16] https://fasterplease.substack.com/p/-what-the-bison-shock-of-the-1800s
[17] https://waapihk.com/2025/06/28/bison-loss-and-restoration-on-the-great-plains/
[18] https://www.fern.org/de/publications-insight/critical-raw-materials-mining-on-sami-land-without-their-consent-1/
[19] https://openknowledge.fao.org/server/api/core/bitstreams/8a4bc655-3cf6-44b5-b6bb-ad2aeede5863/content
[20] https://s3.documentcloud.org/documents/23904133/greenbelt_en.pdf
[21] https://laws-lois.justice.gc.ca/eng/const/page-12.html
[22] https://doi.org/10.2307/797642
[23] https://forumbhr2025.sched.com/event/27VPU/the-critical-role-of-human-rights-defenders-in-seeking-solutions-to-environmental-and-social-harms-in-the-context-of-business-activities
[24] https://doi.org/10.4324/9780203125618
[25] https://doi.org/10.2139/ssrn.3849978
[26] https://doi.org/10.2139/SSRN.3497421
[27] https://www.connmaciel.com/union-avoidance-strategies-for-employers#:~:text=Open%20communication%20is%20the%20foundation,a%20timely%20and%20visible%20way
[28] https://doi.org/10.1002/pan3.10259
[29]https://doi.org/10.1007/s10584-019-02403-y
[30]https://ccrjustice.org/home/press-center/press-releases/supreme-court-rules-against-government-transparency-contracts
[31] https://www.brennancenter.org/our-work/research-reports/congressional-stock-trading-explained
[32] https://www.justsecurity.org/130867/board-of-peace-key-questions/
[33] https://doi.org/10.1080/01900692.2022.2076695
[34] https://doi.org/10.3390/su15032694
[[35 https://costofpolitics.net/east-and-southern-africa/kenya
.