من البازار الى الشوارع : احتجاجات ايران و تصاعد القمع

Iran

 

من البازار الى الشوارع : احتجاجات ايران وتصاعد القمع

بقلم: دلفينا فيامينجي/ جنيف للعدالة

ترجمة: كلارا شقير/ جنيف للعدالة

المقدمة

منذ 28 ديسمبر 2025، تشهد إيران موجة احتجاجات متصاعدة بسرعة. وقد امتدت المظاهرات إلى ما هو أبعد بكثير من طهران، لتنتشر في مدن مختلفة في جميع أنحاء البلاد. ويُعرب المركز الدولي للعدالة في جنيف  عن بالغ قلقه إزاء التقارير المتزايدة عن القمع العنيف، والاعتقالات غير القانونية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة بحق المتظاهرين الذين يمارسون حقهم في حرية التعبير والتجمع السلمي في إيران.

تصاعد القمع والحصار المعلوماتي

ما زاد من حدة القلق في الأيام الأخيرة ليس فقط حجم الاضطرابات، بل أيضاً نمط الانتهاكات المزعومة المصاحبة لاستجابة السلطات، بما في ذلك استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، والاعتقالات الجماعية، وأعمال الترهيب في المستشفيات والمؤسسات العامة. علاوة على ذلك، اتخذ "الحصار المعلوماتي" المتصاعد شكل قطع شبه كامل لخدمات الإنترنت والاتصالات المحمولة، بهدف عزل الإيرانيين عن بعضهم البعض وعن العالم الخارجي، في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى الرقابة المستقلة. وعلى الرغم من هذا الانقطاع، وثّق مراقبو حقوق الإنسان ارتفاعاً في أعداد الضحايا، حيث أفيد بمقتل مئات الأشخاص واعتقال آلاف آخرين. إن صعوبة التحقق من هذه الأرقام بحد ذاتها تؤكد خطورة هذا الانقطاع، فعندما تنهار وسائل الاتصال ,تنهار معها المساءلة.

ونحن نشعر بقلق بالغ ازاء التقارير الموثوقة التي توثق استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين، والاعتقالات التعسفية واسعة النطاق، والتدخل في الاتصالات والوصول إلى المعلومات، والحرمان الواضح من الحقوق المدنية والسياسية الأساسية. ولا تنتهك هذه الأفعال الالتزامات القانونية الدولية لإيران بموجب المعاهدات التي هي طرف فيها فحسب، بل تقوّض أيضاً المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ونحن ندين بأشد العبارات:

- الاستخدام غير المتناسب والمميت للقوة ضد المتظاهرين، بما في ذلك الذخيرة الحية وتكتيكات السيطرة على الحشود التي أدت إلى وقوع قتلى وجرحى، وأثارت حالة مستمرة من الخوف بين المدنيين؛

- الاعتقالات التعسفية الجماعية للأفراد المشاركين في أنشطة احتجاجية سلمية؛

- فرض قيود على الوصول إلى الإنترنت ومنصات أخرى، مما يعيق الحق في حرية التعبير والشفافية. إن القدرة على طلب المساعدة، وتبادل المعلومات، وتوثيق الانتهاكات ليست ترفاً، بل هي جزء أساسي من منظومة حماية حقوق الإنسان؛

- الممارسات القضائية والأمنية التي يبدو أنها تفتقر إلى ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، بما في ذلك أساليب تهدف إلى ترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان، والمحامين، والصحفيين، والمشاركين في الاحتجاجات.

ندعو المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغط على السلطات في إيران من أجل:

  • وقف جميع أشكال الاستخدام غير المشروع للقوة ضد المتظاهرين السلميين، واحترام الحق في حرية التعبير والتجمع؛
  • الإفراج الفوري عن جميع الأفراد المحتجزين بشكل غير قانوني بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات السلمية أو دعمهم لها؛
  • ضمان إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الحالات المبلغ عنها المتعلقة باستخدام العنف غير المشروع، والقتل، وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقاً للقانون الدولي؛
  • تيسير الوصول غير المقيّد لمراقبي حقوق الإنسان الدوليين المستقلين من أجل توثيق الوضع والإبلاغ عنه؛
  • حماية حقوق المدافعين عن حقوق الإنسان، والمحامين، والصحفيين، ونشطاء المجتمع المدني الذين يواجهون المضايقة أو الاضطهاد بسبب دورهم في الدفاع عن الحريات الأساسية.

تحذير الأمم المتحدة و الدعوة الى ضبط النفس

في ظل هذه الظروف، أصدرت الأمم المتحدة تحذيرات مباشرة على نحو غير معتاد. ففي بيان أدلى به المتحدث باسم الأمين العام، شدد أنطونيو غوتيريس على ضرورة تمكّن جميع الإيرانيين من التعبير عن مظالمهم بشكل سلمي ودون خوف، داعياً إلى احترام حقوق حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، وحاثّاً السلطات على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، ومطالباً بشكل صريح باتخاذ خطوات لإعادة خدمات الاتصالات وضمان الوصول إلى المعلومات.

 ولا تقل أهمية عن ذلك التحذيرات الصادرة عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران، والمفوّضة من قبل الأمم المتحدة، والتي أعربت عن قلقها من صدور أوامر لقوات الأمن بتنفيذ حملة قمع "حازمة" و"دون ضبط النفس"، ودعت إلى الإفراج غير المشروط عن جميع الأفراد المحتجزين تعسفياً بسبب ممارستهم لحقوقهم المحمية.

وينبغي النظر إلى هذه التطورات من منظور القانون الدولي، الذي لا يُعد مجرد خطاب اختياري، بل التزاماً قانونياً ملزماً. إذ يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل شخص الحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات. كما يعترف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تُعد إيران طرفاً فيه، بالحق في التجمع السلمي، ولا يجيز فرض قيود عليه إلا في ظل شروط صارمة قائمة على الضرورة. وحتى في الحالات التي يتم فيها التذرع بالحفاظ على النظام العام، فإن المبادئ الأساسية لا تتغير: ضبط النفس، والتناسب، والمساءلة ليست أموراً اختيارية.

القاء اللوم على أطراف خارجية : رواية طهران حول " العناصر الارهابية "

مع انتشار الاحتجاجات وتصاعد استجابة الدولة، سارعت السلطات الإيرانية إلى تصوير الاضطرابات ليس على أنها انتفاضة داخلية، بل كتهديد أمني منسّق تقوده أطراف خارجية. ففي البيانات الرسمية والتغطيات المرتبطة بالدولة، تم تصوير المتظاهرين على أنهم عملاء أجانب وحتى عناصر إرهابية، حيث وصف وزير الخارجية عباس عراقجي، خلال مؤتمر صحفي، الحراك في الشوارع بأنه "حرب إرهابية" ضد البلاد. كما أعلنت طهران أن أجهزتها الأمنية صادرت أسلحة ومتفجرات من "مسلحين"، وادعى مسؤولون أنهم يمتلكون تسجيلات صوتية وأدلة أخرى تُظهر صدور أوامر من خارج إيران، وهي حجة تستخدمها الحكومة لتبرير فرض قيود واسعة على الاتصالات، بما في ذلك قطع الإنترنت على نطاق واسع. وتهدف هذه الرواية إلى تحويل الانتباه بعيداً عن المظالم التي تدفع الناس إلى الاحتجاج، وتوجيهه نحو عدو خارجي. ومع ذلك، فإن سرعة انتشار الحراك واتساع نطاقه يشيران إلى ضغوط داخلية إلى حد كبير. ومن أجل فهم سبب اندلاع الاحتجاجات بهذه السرعة، ولماذا أصبح البازار محفزاً قوياً لها، من الضروري النظر إلى ما هو أبعد من ادعاءات الحكومة بشأن التدخل الخارجي، والتركيز على الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد، والواقع اليومي المتمثل في سوء الإدارة، والقمع، وتدهور مستويات المعيشة.

لماذا انتشرت الاحتجاجات بسرعة كبيرة: البازار كمحفّز

لفهم سبب انتشار الاحتجاجات بهذه السرعة، من المهم معرفة أين بدأت: البازار. ففي 28 كانون الأول/ديسمبر، أغلق أصحاب المتاجر في المناطق التجارية الرئيسية في طهران محالهم بعد الارتفاع المفاجئ في سعر الصرف، وما بدأ كشلل في السوق امتد سريعًا إلى الشوارع. وقد انطلقت المظاهرات من بازار طهران وسرعان ما انتشرت إلى العديد من المدن في جميع أنحاء البلاد، وكان الدافع الأساسي وراءها الفئات الاجتماعية الأكثر تضررًا من ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم، في حين تبدو السلطات المركزية عاجزة بشكل متزايد عن السيطرة على حالة عدم الاستقرار. فالبازار ليس مجرد مساحة اقتصادية، بل هو أيضًا بنية اجتماعية كثيفة قادرة على تحويل الضغوط المعيشية الجماعية إلى فعل جماعي. وعندما يتحرك البازار، فإنه غالبًا ما يشير إلى أن عدم الاستقرار الاقتصادي قد تجاوز بكثير حدود الفئات الهامشية. إن التوترات التي ظهرت في الوقت الحاضر كانت تتراكم منذ سنوات، نتيجة الصعوبات الاقتصادية وسوء الإدارة المستمر.

هذه هي اللحظة التي يتوقف فيها الاقتصاد عن كونه مجرد اقتصاد. إذ يتحول انهيار العملة إلى حدث سياسي ليس لأن الناس أصبحوا فجأة ذوي توجهات أيديولوجية، بل لأن انهيار الريال يدمّر الشروط الأساسية للحياة اليومية. لقد تلاقت سنوات من الهشاشة الهيكلية والأزمات الاقتصادية المتكررة مع مرحلة حادة من تدهور قيمة العملة والتضخم، الذي يُشار إليه على نطاق واسع بأنه تجاوز 40%. وفي هذا السياق، لا تُعدّ الاحتجاجات حالة استثنائية، بل هي انفجار ناتج عن تراكم طويل الأمد من انعدام الأمن المعيشي والشلل المؤسسي.

ما بعد عدسة عام 2022

غالبًا ما يُؤطِّر التغطية العالمية الاضطرابات الحالية من خلال عدسة انتفاضة عام 2022. غير أن الموجة الحالية ليست مجرد تكرار لها، بل تتشكل بفعل مزيج مختلف من الضغوط ويجب تقييمها في سياقها الخاص. ففي عام 2022، كانت الطالبات من أوائل وأكثر الفاعلين ظهورًا. ومع اتساع نطاق التعبئة، توسعت طبيعة الاحتجاجات أيضًا: إذ تطور المطلب الأولي بالمحاسبة إلى إدانات أوسع للحكم الاستبدادي، وانتقلت الشعارات من «المرأة، الحياة، الحرية» إلى رسائل صريحة مناهضة للنظام، وغالبًا مناهضة للمرشد الأعلى. آنذاك، بقيت حقوق المرأة في صميم الحركة داخل إيران وكذلك ضمن تعبئة واسعة وغير مسبوقة للجاليات الإيرانية في الخارج.

أما الاحتجاجات الحالية، فيبدو أنها مدفوعة بدافع مختلف. فرغم أن النضال من أجل الحريات الشخصية والمساواة بين الجنسين لا يزال جزءًا من الذاكرة السياسية للحركة، فإن المظلمة المباشرة اليوم ترتبط بشكل أوضح بالضائقة الاقتصادية الواسعة النطاق والشعور بانهيار سبل العيش. وهذا التمييز مهم. ففي عام 2022، ساهم الطابع المرتبط بالمساواة بين الجنسين في الانتفاضة في حشد الكثيرين، ولا سيما الإيرانيين الشباب. ومع ذلك، فقد واجهت الحركة آنذاك حدودًا هيكلية في الوصول إلى الفئات الأكثر محافظة في المجتمع، حيث يمكن لانعدام الأمن الاقتصادي الحاد أن يقيّد المشاركة، وحيث تميل مخاوف البقاء اليومي إلى الهيمنة على التعبئة السياسية. أما هذه المرة، فيبدو أن الحركة تخترق بسرعة أكبر مختلف الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية، مما يشير إلى قدرة أكبر على تجاوز فئة ديموغرافية واحدة أو إطار رمزي محدد.

 يدعو مركز جنيف الدولي للعدالة المجتمع الدولي الضغط على إيران من أجل الوقف الفوري لاستخدام القوّة المميتة وغير القانونية ضدّ المتظاهرين، وإجراء تحقيقاتٍ مستقلة في حالات القتل والإصابات؛ ووضع حدّ للاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والاعترافات القسرية، وترهيب العائلات؛ والاستعادة الكاملة لخدمات الإنترنت والاتصالات عبر الهاتف المحمول، ومحاسبة كلّ المتهمين بقضايا القتل والتعذيب.

جنيف في 12 كانون الثاني/ يناير 2026

Read in English: https://www.gicj.org/positions-opinons/gicj-positions-and-opinions/4354-from-the-bazar-to-the-streets-iran%E2%80%99s-protests-and-the-escalating-repression

اشترك في القائمة البريدية
الرجاء اضافة البريد الإلكتروني الخاص بكم في الحقل أدناه للحصول على النشرة الإخبارية الخاصة بمركز جنيف الدولي للعدالة