المحكمة الجنائية الدولية: العدالة الصامدة
نظرة عامة على جهود المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة الإفلات من العقاب في عام 2025

مصدر الصورة: ©ICC-CPI
في الأوّل من شهر ديسمبر سنة 2025، أطلقت نائبة المدّعي العام في المحكمة الجنائية الدولية نزهة شمين خان، التقرير السنوي لمكتب المدّعي العام بعنوان " العدالة الصامدة في كل خطوة ". وقد صدر هذا التقرير خلال الدورة الرابعة والعشرين لجمعيّة الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، ويقدّم نظرة شاملة على أنشطة مكتب المدّعي العام لعام 2025.
نبذة عن المحكمة الجنائية الدولية ومكتب المدّعي العام
أنشئت المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي عام 1998، وهي مؤسّسة قضائية دولية دائمة دخلت حيّز النفاذ في 1 يوليو 2002. ويقع مقرّها في لاهاي (هولندا)، وتختص بالنظر في قضايا الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الابادة الجماعيّة، والجرائم ضد الانسانيّة، وجرائم الحرب، ومنذ عام 2018 جريمة العدوان.
وتعمل المحكمة وفق مبدأ التكاملية، أي أنها لا تمارس اختصاصها الا عندما تكون المحاكم الوطنية غير راغبة أو غير قادرة فعليا على التحقيق أو المقاضاة في مثل هذه الجرائم. وبصفتها مؤسسة مستقلة، تسعى المحكمة الى الاسهام في مكافحة الافلات من العقاب وتعزيز المساءلة والردع واحترام القانون الجنائي الدولي.
يعد مكتب المدّعي العام أحد الأجهزة الأساسية للمحكمة الجنائية الدولية، وهو هيئة مستقلّة مسؤولة عن تلقي المعلومات المتعلقة بالجرائم المزعومة الداخلة في اختصاص المحكمة، وفحصها والتحقيق فيها. ويرأس المكتب المدّعي العام، ويتولى اجراء الفحوصات الاولية، وفتح التحقيقات من تلقاء نفسه أو بناءً على احالات من الدّول الأطراف أو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما يتولى مقاضاة القضايا أمام المحكمة. ويضطلع المكتب بدور محوري في تحديد نطاق عمل المحكمة وفعالياتها، اذ ان استراتيجيّته الادّعائية تؤثر مباشرة في تحديد الحالات والأشخاص الذين يحالون الى المحكمة.
نظرة عامة على الحالات التي تحقق فيها المحكمة الجنائية الدولية

مصدر الصورة:
https://www.icc-cpi.int/situations-under-investigations
حتى تاريخ صدور التقرير، كانت المحكمة الجنائية الدولية تحقق في 12 حالة:
- جمهورية الكونغو الديمقراطية
- دارفور ,السودان
- ليبيا
- كوت ديفوار
- مالي
- بوروندي
- دولة فلسطين
- بنغلادش/مينمار
- أفغنستان
- جمهورية الفلبين
- فنزويلا
- أوكرانيا
تم اغلاق التحقيقات في خمس حالات أخرى:
- أوغندا
- جمهورية أفريقيا الوسطى
- كينيا
- جمهورية أفريقيا الوسطى (الحالة الثانية)
- جورجيا
و بموجب المواد 13و14و15و15مكرر و 15 ثالث من نظام روما الأساسي، تتمتّع المحكمة الجنائية الدولية بالإختصاص لفتح تحقيق في حالةٍ ما بناءً على إحالة من دولة طرف، أو من مدّعي عام المحكمة، أو من مجلس الأمن التّابع للأمم المتحدة.
ملخص لبعض الحالات ذات الصلة بعمل مركز جنيف الدولي للعدالة
دولة فلسطين
أحيلت هذه الحالة الى المحكمة الجنائية الدولية عام 2018 من قبل دولة فلسطين، وهي دولة طرف في نظام روما الاساسي منذ عام 2015. وقد منحت هذه الاحالة المحكمة اختصاصا للتحقيق في الجرائم التي يزعم ارتكابها في هذه الحالة منذ 13 حزيران 2014، وهو التاريخ الذي قبلت فيه حكومة دولة فلسطين اختصاص المحكمة بموجب المادة 12(3). اضافة الى ذلك، قامت دول أطراف أخرى بإحالة هذه الحالة بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، من بينها جنوب أفريقيا، وبنغلادش، وبوليفيا، وجزرالقمر، وجيبوتي، وتشيلي، والمكسيك.
منذ 21 نوفمبر 2024، صدرت ثلاث مذكرات توقيف لا تزال قائمة في هذه الحالة، وهي بحق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم مزعومة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية. أما المذكرة الثالثة فصدرت بحق محمد دياب ابراهيم المصري، المعروف باسم "الضّيف"، القائد الأعلى لكتائب القسّام ( الجناح العسكري لحركة حماس)، بتهم مزعومة تشمل جرائم ضد الانسانية، وجرائم حرب، منها القتل والمعاملة القاسية، والتعذيب، وأخذ الرهائن، والانتهاك للكرامة الشخصية، والتي يزعم ارتكابها في أراضي اسرائيل وفلسطين منذ أكتوبر 2023 على الأقل. وقد طعنت اسرائيل في مذكرتي التوقيف الصادرتين بحق نتنياهو وغالانت استناداً الى المادتين 18 (القرارات التمهيدية بشأن القبول) و 19 ( الطعون في اختصاص المحكمة أو قبول الدعوى) من نظام روما الأساسي. غير أن الدائرة التمهيدية رفضت تلك الطعون وطلبات سحب مذكرتي التوقيف وتعليق التحقيق، مما يشير الى التزامها بمكافحة الافلات من العقاب.
ويشير تقرير "العدالة الصامدة" الى أن مكتب المدعي العام يواصل التواصل مع الأطراف والجهات المعنية ذات الصلة بهذه الحالة، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني، والدول، والمنظمات الدولية والاقليمية، كما يحقق في عدّة مسارات تحقيقية. وفي مواجهة الانتقادات المتعلقة بهذه التحقيقات، أكّد المكتب أيضا أنّه يواصل مراعاة مبدأ التكاملية الذي يقيّد اختصاص المحكمة.
دارفور، السودان
أحيلت حالة دارفور في السودان الى المحكمة الجنائية الدولية في مارس 2005 من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وذلك بموجب المادة 13(ب) من نظام روما الاساسي. وكانت هذه الاحالة هي الأولى التي يقوم بها مجلس الأمن منذ دخول نظام روما الأساسي حيز النفاذ في 1 يوليو 2002. وتتمتّع المحكمة بالاختصاص للنظر في جرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية المزعوم ارتكابها في دارفور السودان منذ 1 يوليو 2002.
في عام 2025، كثفت المحكمة الجنائية الدولية أنشطتها لتحقيق نتائج في ما يتعلق بحالة دارفور. فقد أجرى مكتب المدعي العام، على وجه الخصوص، زيارات ميدانية الى مخيمات اللاجئين في أبريل ومايو 2025، مما أظهر استمرار الانخراط والحوار مع المجتمعات الدارفورية المتضررة. كما عزز المكتب تعاونه مع منظمات المجتمع المدني القانونية، ولاسيما من خلال ورشة عمل مخصصة لجرائم العنف القائم على نوع الجنس وسبل توثيقها.
ورغم تأكيد التقرير على الحاجة الى احراز تقدم في تنفيذ مذكرات التوقيف، فانه أشار أيضا الى توسّع التعاون من جانب الحكومة السودانية، بما في ذلك تسهيل زيارة ممثل لمكتب المدّعي العام الى بورتسودان وانشاء لجنة مخصّصة. كما عزّزت المحكمة تعاونها مع الأمم المتحدة وآلياتها من خلال العمل المشترك مع بعثة تقصي الحقائق بشأن السودان.
ومن أبرز التطورات في حالة دارفور ادانة علي محمد علي عبد الرحمان، القائد المزعوم لميليشيا الجنجويد، حيث أدين بالاجماع بارتكاب 27 تهمة من الجرائم ضد الانسانيّة وجرائم الحرب في دارفور بالسودان بين أغسطس 2003 وأبريل 2004[1].
وتعد هذه الادانة الأولى في سياق حالة دارفور، والحالة الأولى المحالة الى المحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الأمن، ما يشكل محطة بارزة في عمل مكتب الادّعاء العام. وقد حُكم على السّيد عبد الرحمن بالسجن لمدّة 20 عاماً.
ليبيا
أحيلت هذه الحالة الى المحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في فبراير 2011، لتكون ثاني إحالة من مجلس الأمن منذ دخول المحكمة حيز النفاذ عام 2002. وفي اطار هذه الإحالة، تحقق المحكمة في جرائم مزعومة ضد الانسانية وجرائم حرب يشتبه بارتكابها منذ 15 فبراير 2011، في سياق الحرب الاهلية الليبية وما أعقبها من اضطرابات سياسية. وقد قبلت الحكومة الليبية اختصاص المحكمة بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي في مايو 2025، وتعهدت بالتعاون الكامل مع المحكمة.
ويشير التقرير الى عدة محطات مهمة في التحقيق في الحالة الليبية خلال عام 2025.فإلى جانب استعداد الحكومة الليبية للتعاون مع المحكمة، شهد عام 2025 تطورا بارزا تمثل في القاء القبض على خالد محمد علي الهشري وهو أعلى مسؤول في سجن معيتقية، وهو مركز احتجاز قرب طرابلس في ليبيا[2].
ويشتبه في ارتكابه واصداره أوامر والاشراف على جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب، منها القتل والتعذيب والعنف الجنسي، وذلك بين فبراير 2015 وبداية عام 2020. و يعد هذا القبض أول تسليم لمشتبه به منذ احالة مجلس الأمن عام 2011، ما يشكل تطورا مهما في جهود المحكمة لتحقيق المساءلة في ليبيا. ومن المهم أيضا الاشارة الى أن هذا القبض وتسليم المشتبه به لاحقاً إلى المحكمة جاء نتيجة تعاون السلطات الألمانيّة، مما يؤكد الدور المحوري لتعاون الدول الأطراف في عمل المحكمة الجنائية الدولية.
ومن أجل التحقيق في الحالة الليبية وملاحقة المشتبه بهم، عزز مكتب المدّعي العام في عام 2025 تعاونه مع عدة جهات معنية. ومن أبرزها تعاون المحكمة مع الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في المملكة المتحدة بشان تجميد أصول أسامة السمري نجيم، وهومشتبه فيه آخر في الحالة الليبية، والذي ألقي القبض عليه في يناير في ايطاليا ثم أفرج عنه لاحقا بسبب "أخطاء وعدم دقة" في مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة[3].
كما زاد مكتب المدّعي العام من تواصله مع منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك من خلال اجتماعات دورية، وأسهم في التحقيقات الجارية على المستوى الوطني.
جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة
أحيلت الحالة في جمهورية الكونغو الديمقراطية الى المحكمة الجنائية الدولية من قبل حكومة الكونغو في مارس 2004، وبدأت التحقيقات في يونيو من العام نفسه، قبل أن تستأنف في أكتوبر 2024. ويحقق مكتب المدّعي العام في جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية يزعم ارتكابها في سياق النزاع المسلح في البلاد منذ 1 يوليو 2002، مع تركيز خاص على منطقتي كيفو الشمالية والجنوبية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وكما ورد في تقرير "العدالة الصامدة " فان التحقيق الجاري يشمل أيضا تصاعد أعمال العنف التي وقعت في أوائل عام 2025 في تلك المناطق.
وفي فبراير 2025، أجرى المدّعي العام للمحكمة كريم أحمد خان زيارة الى البلاد، أسهمت في تعزيز التعاون القضائي بين المحكمة والسلطات الوطنيّة، وكذلك في تطوير التّعاون مع منظمات المجتمع المدني المحلية. اضافة الى ذلك، ينفذ مكتب المدّعي العام مذكرة التفاهم المبرمة عام 2023 مع حكومة جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة، بهدف زيادة التعاون لتحقيق العدالة [4].
جمهورية أفريقيا الوسطى ( الحالة الثانية)
أُحيلت الحالة الثانية في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل حكومة البلاد في مايو 2014، وذلك على أساس جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يُزعم ارتكابها في سياق تجدد أعمال العنف التي بدأت عام 2012.
وفي هذه الحالة، عززت المحكمة الجنائية الدولية جهودها للتعاون مع السلطات الوطنية وتنفيذ مذكرة التفاهم بين الأمم المتحدة والمحكمة بشأن التعاون مع بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى (مينوسكا)، والتي وُقِّعت عام 2016[5].
وتشمل هذه الجهود دعم المحكمة الجنائية الخاصة في بانغي.
ووفقًا لتقرير "العدالة الصامدة"، كان تعاون سلطات جمهورية أفريقيا الوسطى مع المحكمة أساسيًا أيضًا في التحقيق والمقاضاة في قضية المدّعي العام ضد ألفريد يكاتوم وباتريس-إدوار نغيسونا، وهي قضية بدأت محاكمتها في فبراير 2021 ولا تزال مستمرة حتى الآن.
أوكرانيا
أُحيلت الحالة في أوكرانيا إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل 43 دولة طرف بين مارس وأبريل 2022، عقب الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية. ويركّز التحقيق على الجرائم المزعوم ارتكابها في سياق الحالة في أوكرانيا منذ 21 نوفمبر 2013. ورغم أن أوكرانيا لم تكن دولة طرفًا في المحكمة حتى 1 يناير 2025، فإن الحكومة الأوكرانية كانت قد قبلت اختصاص المحكمة بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي[6].
ويؤكد تقرير "العدالة الصامدة" دور المكتب الميداني لمكتب المدّعي العام، الذي افتُتح في كييف عام 2023، مشددًا على انخراطه الميداني النشط وتنسيقه مع الجهات المعنية، بما في ذلك المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الحكومية.
وحتى يناير 2026، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية ست مذكرات توقيف بحق مسؤولين روس فيما يتعلق بالحالة في أوكرانيا، من بينهم فلاديمير بوتين، رئيس الاتحاد الروسي، بتهمة ارتكاب جريمة حرب مزعومة تتمثل في الترحيل غير القانوني للأطفال ونقلهم بصورة غير مشروعة من المناطق المحتلة في أوكرانيا إلى الاتحاد الروسي.
التحديات التي تواجه عمل مكتب المدّعي العام
على الرغم من التطورات الكبيرة في العديد من الحالات، واجهت المحكمة خلال العام الماضي تحديات عديدة. ولذلك أعاد التقرير التأكيد على التزام مكتب المدّعي العام المستمر تجاه الضحايا والناجين، وعلى حرصه على مواصلة تحقيق الإنجازات في مكافحة الإفلات من العقاب. ومن أبرز التحديات التي تعيق تحقيق المحكمة للعدالة اعتمادها على تعاون الدول لتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عنها وبالتالي أداء ولايتها. وقد ظهر ذلك بوضوح في المذكرات الصادرة في الحالة المتعلقة بدولة فلسطين، حيث رفضت هنغاريا توقيف بنيامين نتنياهو وانسحبت من نظام روما الأساسي[7].
ويقوض هذا النقص في التعاون بشكل كبير قدرة مكتب المدّعي العام على المضي قدمًا في القضايا وإنفاذ المساءلة. ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن عدم التعاون يؤخر تحقيق العدالة للضحايا والناجين، وليس للمحكمة فحسب. ويعمل مكتب المدّعي العام في بيئة شديدة التسييس، وهو ما قد يقيّد عملياته. فعلى سبيل المثال، تمثل العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية، بمن فيهم قضاة ومدعون وموظفون، شكلًا واضحًا من أشكال الضغط السياسي على المحكمة. وتؤثر مثل هذه العقوبات مباشرة في عمل المحكمة من خلال ردع التعاون والحد من التمويل ومن تفاعل الجهات المعنية الخارجية. كما واجهت المحكمة منذ فترة طويلة انتقادات تتعلق بالتحيز والانتقائية بسبب الاختلال الإقليمي في الحالات التي تحقق فيها.
وبناءً عليه، تعمل المحكمة الجنائية الدولية منذ وقت طويل ضمن بيئة صعبة ازدادت تعقيدًا في عام 2025. ولا تؤثر هذه العقبات في التنفيذ العملي لمذكرات التوقيف والتحقيقات فحسب، بل تطرح أيضًا مخاطر أوسع على مصداقية المحكمة وسلطتها ضمن النظام القانوني الدولي. وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد مكتب المدّعي العام التزامه تجاه الضحايا والناجين أهمية خاصة، إذ يبرز تصميم المحكمة على مواصلة السعي لتحقيق المساءلة رغم الضغوط الخارجية المتزايدة.
الخلاصة
في سياق تصاعد النزاعات والانتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاضطهاد، يُعدّ عمل المحكمة الجنائية الدولية أساسيًا لضمان عدم وجود فجوة في المساءلة أو إفلات من العقاب. ويُبرز تقرير "العدالة الصامدة في كل خطوة" حجم وتعقيد ولاية مكتب المدّعي العام، مسلطًا الضوء على تقدم ملموس في عدة حالات، بدءًا من إدانات واعتقالات بارزة وصولًا إلى تعزيز الوجود الميداني والتعاون مع السلطات الوطنية والمنظمات الدولية وجهات المجتمع المدني. ومع ذلك، يوضح التقرير أيضًا أن فعالية المحكمة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الدّعم السياسي المستمر والتعاون الحقيقي من الدول. وكما أظهرت أحداث عام 2025، فإن التقدم في مجال المساءلة يتزامن مع استمرار عقبات هيكلية وسياسية، منها عدم التعاون في تنفيذ مذكرات التوقيف، والضغوط الخارجية على استقلال المحكمة، والانتقادات المتواصلة بشأن الانتقائية. وتُبرز هذه التحديات هشاشة موقع العدالة الجنائية الدولية داخل نظام دولي ما يزال يتأثر باختلالات موازين القوة وتضارب المصالح السياسية.
وفي النهاية، فإن تأكيد مكتب المدّعي العام على مفهوم الصمود يعكس في آنٍ واحد استراتيجية مؤسسية والتزامًا معياريًا يتمثل في السعي لتحقيق العدالة للضحايا والناجين رغم الظروف المعاكسة. ويعتمد تحويل هذا الالتزام إلى مساءلة دائمة إلى حدّ كبير على استعداد الدول الأطراف والمجتمع الدولي لدعم إطار نظام روما الأساسي، واحترام استقلال المحكمة، وتحويل الالتزامات القانونية إلى إجراءات ملموسة. وفي هذا الصدد، لا يشكّل التقرير السنوي لعام 2025 مجرد عرض لنشاطات الادّعاء، بل يُعدّ أيضًا تذكيرًا بأن مكافحة الإفلات من العقاب مسؤولية مشتركة.
موقف مركز جنيف الدولي للعدالة
يرحّب مركز جنيف الدولي للعدالة بتقرير "العدالة الصامدة" ويشيد بإنجازات المحكمة الجنائية الدولية، التي تمثّل خطوة إضافية نحو تحقيق المساءلة. فالمحكمة تُعدّ حجر أساس في الإطار القانوني الدولي، وتبرز إنجازاتها خلال عام 2025 التزامها المستمر بمكافحة الإفلات من العقاب. ونثني على إدماجها الفعّال للضحايا والناجين في إجراءاتها، وكذلك على تعاونها مع السلطات الوطنية والمنظمات الدولية، وتنسيقها مع منظمات المجتمع المدني.
ونُعرب عن استنكارنا للتحديات العديدة التي تحاول عرقلة مكافحة الإفلات من العقاب، بما في ذلك عدم الرغبة السياسية لدى بعض الدول في تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة. إن إضعاف المحكمة الجنائية الدولية أو عرقلة عملها لا يلغي الحاجة إلى المساءلة، بل ينقل الانتهاكات إلى مساحة من الإفلات غير الخاضع للمساءلة، بما يضر بالضحايا والمجتمعات المتضررة. ويؤكد المركز أن تعاون الدول ليس خيارًا بل التزام قانوني بموجب نظام روما الأساسي وشرط أساسي لتحقيق العدالة الفعّالة. وعليه، ندعو جميع الدول الأطراف إلى مواصلة التعاون مع المحكمة ومكتب المدّعي العام لضمان تمكّنهما من الاضطلاع الكامل بولايتهما.
ويدين المركز التدابير التي تستهدف قضاة المحكمة ومدّعيها بسبب ممارستهم لمهامهم، إذ تهدّد هذه الإجراءات ليس المحكمة فحسب، بل المبدأ الأوسع المتمثل في استقلال القضاء الدولي. ولذلك ندعو جميع الدول إلى الامتناع عن مثل هذه الأفعال وضمان الاستقلال الكامل وغير المقيّد للمحكمة الجنائية الدولية.
المراجع:
[1] ICC, Abd-Al-Rahman case
[2] ICC, “Situation in Libya: Khaled Mohamed Ali El Hishri arrested for alleged crimes against humanity and war crimes”
[3] BBC, “Libyan war crimes suspect freed because of errors in warrant, Italy says”
[4] Mémorandum d'entente entre la République Démocratique du Congo et le Bureau du Procureur de la Cour pénale internationale
[5] UN ilibrary, Memorandum of Understanding Between the United Nations and the International Criminal Court Concerning Cooperation between the United Nations Multidimensional Integrated Stabilization Mission in the Central African Republic (MINUSCA) and the International Criminal Court
[6] ICC, Situation in Ukraine
[7] BBC, “Hungary withdraws from International Criminal Court during Netanyahu visit”